تفكيك السرديات الإسرائيلية
الجزء الأول: الجذور التاريخية للصراع وأسطورة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" تعد مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" إحدى السرديات التاريخية المركزية التي روجت لها الحركة الصهيونية، ولاحقاً دولة إسرائيل؛ وهي سردية تزعم أن فلسطين، قبيل وصول المهاجرين الصهاينة، كانت أرضاً مقفرة وتفتقر للتنمية ولا تمتلك هوية وطنية متميزة. بيد أن البروفيسور فينكلشتاين، وبالاستناد إلى مصادر تاريخية جمة —بما في ذلك أعمال مؤرخين إسرائيليين وغربيين— يتحدى هذا الادعاء وبقوة.
5/8/20241 دقيقة قراءة


تفكيك السرديات الإسرائيلية
الجزء الأول: الجذور التاريخية للصراع وأسطورة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"
تعد مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" إحدى السرديات التاريخية المركزية التي روجت لها الحركة الصهيونية، ولاحقاً دولة إسرائيل؛ وهي سردية تزعم أن فلسطين، قبيل وصول المهاجرين الصهاينة، كانت أرضاً مقفرة وتفتقر للتنمية ولا تمتلك هوية وطنية متميزة. بيد أن البروفيسور فينكلشتاين، وبالاستناد إلى مصادر تاريخية جمة —بما في ذلك أعمال مؤرخين إسرائيليين وغربيين— يتحدى هذا الادعاء وبقوة.
حيث يُثبت فينكلشتاين أن فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت مجتمعاً ديناميكياً يمتلك زراعته وتجارته وثقافته الخاصة. ولم يكن السكان العرب الفلسطينيون حاضرين بأعداد كبيرة فحسب، بل كانوا يمتلكون هياكل اجتماعية واقتصادية ناهضة. ويجادل فينكلشتاين بأن تجاهل هذه الحقيقة التاريخية كان حجر الزاوية لنزع الشرعية عن الحقوق الفلسطينية في أرضهم، ومهد الطريق لتبرير سلب ممتلكاتهم.
وفي هذا السياق، أخضع فينكلشتاين كتاب جوان بيترز "منذ زمن سحيق" —الذي نُشر في الثمانينيات وحظي بإشادة واسعة من أنصار إسرائيل— لتحليل نقدي صارم. ادعت بيترز أن غالبية العرب الذين عاشوا في فلسطين في القرن العشرين كانوا مهاجرين جدد وفدوا سعياً وراء الفرص الاقتصادية التي خلقها الصهاينة. ومن خلال فحص دقيق للمصادر التي استشهدت بها بيترز وتقديم الأدلة الديموغرافية، أثبت فينكلشتاين أن هذه الادعاءات لا أساس لها، وتقوم على تحريف البيانات والاستخدام الانتقائي للمصادر. وقد لعب فضح فينكلشتاين لهذا الكتاب، الذي وصفه بـ "الخديعة الكبرى"، دوراً حاسماً في تقويض هذه السردية، وبشكل أوسع، في التشكيك بالجهود الرامية لإنكار الوجود التاريخي للفلسطينيين.
الجزء الثاني: النكبة والرواية الإسرائيلية لحرب عام 1948
تشكل حرب عام 1948 وتداعياتها، التي يطلق عليها الفلسطينيون "النكبة"، نقطة ارتكاز أخرى في نقد فينكلشتاين التاريخي. فالرواية الإسرائيلية الرسمية لهذه الحرب تركز عادة على "الدفاع عن النفس" في مواجهة غزو عربي، وعلى "الفرار الطوعي" للفلسطينيين من منازلهم أو رحيلهم بتشجيع من القيادات العربية.
بيد أن فينكلشتاين، مستشهداً بأعمال "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين —أمثال بيني موريس، وإيلان بابيه، وآفي شلايم، الذين أتيحت لهم فرصة الاطلاع على الوثائق الأرشيفية الإسرائيلية— يثبت أن هذه الرواية منقوصة ومضللة إلى حد كبير. ويؤكد أن الطرد الممنهج والواسع للفلسطينيين كان جزءاً من خطة مسبقة، أو على الأقل نتيجة متوقعة لسياسات القيادة الصهيونية لخلق دولة ذات أغلبية يهودية حاسمة. ويشير فينكلشتاين إلى المجازر والترهيب والعمليات العسكرية التي أدت إلى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني، ومن ثم منعهم من العودة إلى ديارهم.
كما يتحدى سردية "الفرار الطوعي"، موضحاً أن الفلسطينيين في حالات كثيرة أُجبروا على ترك منازلهم تحت ضغط وتهديد عسكري مباشر. ومن وجهة نظر فينكلشتاين، فإن تجاهل النكبة أو التقليل من شأنها في التأريخ الإسرائيلي الرسمي هو محاولة للتهرب من المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني، والتي تكمن في جذر العديد من المشاكل الراهنة.
الجزء الثالث: حرب عام 1967 واستمرار السرديات التبريرية
مثلت حرب عام 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء نقطة تحول أخرى في الصراع. وتصور الرواية الإسرائيلية السائدة هذه الحرب أيضاً على أنها "حرب دفاعية" ضد تهديد وشيك بالإبادة من قبل الدول العربية.
فينكلشتاين، وبالرجوع إلى التحليلات العسكرية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين من تلك الفترة، يشكك أيضاً في هذه السردية؛ مجادلاً بأنه رغم التوترات العالية، لم يكن التهديد العسكري العربي وشيكاً أو وجودياً كما رُوِّج له، وأن إسرائيل —التي كانت تدرك تفوقها العسكري— هي من بدأت الحرب. وكان الهدف من هذه الحرب، في نظره ونظر بعض المؤرخين الآخرين، ليس دفاعياً بحتًا، بل شمل أيضاً التوسع الإقليمي واستكمال الأهداف الصهيونية.
علاوة على ذلك، يتطرق فينكلشتاين إلى تبعات الاحتلال وانتهاك حقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، موضحاً كيف تم توظيف سردية "الأمن" لتبرير بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وقمع المقاومة الفلسطينية. ويؤكد أن هذه السرديات تحجب حقيقة الاحتلال وطبيعته الاستعمارية.
الخلاصة: أهمية النقد التاريخي لفينكلشتاين
تكتسب أعمال البروفيسور نورمان فينكلشتاين في تحدي السرديات التاريخية الإسرائيلية أهمية قصوى. فبصرامة أكاديمية وشجاعة أخلاقية، قام بإزالة طبقات البروباغندا وصناعة الأساطير المستخدمة لشرعنة السياسات الإسرائيلية وإنكار الحقوق الفلسطينية. إن نقده لا يساهم فقط في فهم أعمق وأكثر إنصافاً لتاريخ الصراع، بل يعد شرطاً أساسياً لتحقيق سلام عادل ودائم. فما دامت السرديات أحادية الجانب والمشوهة تهيمن على الخطاب العام وصنع القرار السياسي، فإن إمكانية التفاهم المتبادل والاعتراف بمعاناة وحقوق الطرف الآخر ستظل بعيدة المنال.
ومن خلال التأكيد على الالتزام بالأدلة والوثائق التاريخية، يوضح فينكلشتاين كيف يمكن للتاريخ أن يصبح أداة للقوة والقمع، ولكنه في الوقت ذاته، يظهر كيف يمكن تحويله إلى وسيلة للتحرر والعدالة. إن تحديه للسرديات الإسرائيلية السائدة هو دعوة للتفكير النقدي، وإعادة فحص المسلمات، وجهد لكتابة تاريخ يعكس أصوات جميع الأطراف المعنية، ولا سيما الضحايا.