قول الحقيقة عن غزة، مع نورمان فينكلشتاين
تتمثل إحدى أهم الحجج التي طرحها البروفيسور نورمان فينكلشتاين في مقابلته مع برنامج «Tribune in Conversation» في فكرة أساسية للغاية: إن فهم ما حدث في غزة يقتضي، قبل كل شيء، رفض اللغة التي استُخدمت لوصف هذه الأحداث وتحدّيها. فبالنسبة إلى فينكلشتاين، لا يُعدّ وصف تدمير غزة بأنه حرب مجرد اختيار غير دقيق للكلمات، بل هو تحريف يغيّر بصورة جوهرية طريقة فهم الأحداث، وتحديد الضحايا الذين يُعترف بمعاناتهم، والإقرار بالمسؤوليات المترتبة عليها.
10/15/20261 دقيقة قراءة


قول الحقيقة عن غزة، مع نورمان فينكلشتاين
1. تسمية الأشياء بأسمائها: لماذا لا يمكن فهم ما يجري في غزة باعتباره حرباً؟
تتمثل إحدى أهم الحجج التي طرحها البروفيسور نورمان فينكلشتاين في مقابلته مع برنامج «Tribune in Conversation» في فكرة أساسية للغاية: إن فهم ما حدث في غزة يقتضي، قبل كل شيء، رفض اللغة التي استُخدمت لوصف هذه الأحداث وتحدّيها. فبالنسبة إلى فينكلشتاين، لا يُعدّ وصف تدمير غزة بأنه حرب مجرد اختيار غير دقيق للكلمات، بل هو تحريف يغيّر بصورة جوهرية طريقة فهم الأحداث، وتحديد الضحايا الذين يُعترف بمعاناتهم، والإقرار بالمسؤوليات المترتبة عليها.
يعود فينكلشتاين، على امتداد المقابلة، إلى التمييز الذي يشكّل جوهر تحليله. فالحرب، وفق مفهومها التقليدي، تهدف إلى هزيمة القوة العسكرية للعدو. أما الإبادة الجماعية، فتستهدف تدمير جماعة من السكان المدنيين. وعندما يكون جوهر الواقع هو التدمير المنهجي للحياة المدنية، وهدم المنازل والمستشفيات، وانهيار البنية التحتية الأساسية، والحرمان المتعمّد من الغذاء، فإن وصف الوضع بأنه مواجهة عسكرية في المقام الأول لا يكشف الحقيقة بقدر ما يحجبها.
ويرى فينكلشتاين أن إسرائيل حققت جزءاً كبيراً من انتصارها في المعركة الدعائية من خلال ترسيخ فهم الأحداث في غزة ضمن إطار الحرب. فبمجرد قبول هذا الوصف، يبدأ الرأي العام في التساؤل عما إذا كانت العمليات العسكرية متناسبة، وما إذا كانت هجمات بعينها تتوافق مع قوانين النزاعات المسلحة، وكم عدد المقاتلين الذين قُتلوا. وقد تكون هذه الأسئلة مهمة، لكنها قد تحجب أيضاً قضية أكثر جوهرية: ماذا يُفعل بالسكان المدنيين، وما الغاية النهائية من وراء هذا التدمير؟
ولا يجادل فينكلشتاين بأن وجود الجماعات المسلحة أمر غير ذي صلة. بل يؤكد أن وجودها لا يحوّل تلقائياً كل عمل تدميري إلى عملية عسكرية مشروعة. فإذا تعرّض السكان المدنيون لعنف هائل وعشوائي لا يميّز بينهم وبين غيرهم، فإن وجود مقاتلين بينهم لا يفسّر حجم الدمار ولا يبرّره على نحو كافٍ.
ويكتسب هذا التمييز أهمية محورية في نقد فينكلشتاين الأوسع للخطاب السياسي والمؤسسي المحيط بغزة. فالكلمات لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسهم أيضاً في تشكيل الطريقة التي يدركه بها الجمهور. ويمكن تصوير شعب يواجه تدميراً منهجياً باعتباره طرفاً في نزاع، واختزال معاناته في كونها نتيجة مؤسفة للحرب، بينما تُحجب الأهداف السياسية الكامنة وراء تلك المعاناة.
وبالنسبة إلى فينكلشتاين، تبدأ قول الحقيقة برفض هذا التحريف. فالمسؤولية الأولى هي تحديد طبيعة الواقع الذي نواجهه، بدلاً من السماح للمصطلحات السياسية المألوفة بأن تحدد ما يمكن رؤيته وما ينبغي تجاهله.
2. تدمير غزة وحرمان سكانها من المستقبل
لا يقتصر وصف فينكلشتاين للأوضاع في غزة على الرعب المباشر الناجم عن الموت والدمار المادي. فجوهر تحليله هو أن هذا الدمار استهدف الأسس التي يقوم عليها الوجود الاجتماعي الفلسطيني، بحيث لم يعد السكان يواجهون معركة البقاء على قيد الحياة فحسب، بل أصبحوا يواجهون أيضاً محواً منهجياً للشروط الضرورية لبناء مستقبلهم.
يصف فينكلشتاين، خلال المقابلة، وضعاً يُبقى فيه الفلسطينيون عند ما يُسمّى الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية. وهو يرى في هذه السياسة شكلاً من أشكال الحرمان المحسوب: السماح بوصول قدر من المساعدات يكفي لتجنب سقوط أعداد من الضحايا قد تصبح غير مقبولة سياسياً، مع الامتناع عن تقديم الإغاثة الكافية لاستعادة حياة كريمة ومستدامة.
ويشدد فينكلشتاين على أن استمرار حرمان سكان غزة لا يمكن تفسيره بمجرد نقص الموارد المتاحة. فبحسب ما يورده، توجد شاحنات محمّلة بالمساعدات الإنسانية وجاهزة، كما تمتلك وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) شبكة قائمة بالفعل لتوزيع المساعدات. ومن ثم، يرى أن منع وصول هذه المساعدات إلى الفلسطينيين قرار سياسي، وليس نتيجة حتمية لصعوبات لوجستية لا يمكن تجاوزها.
وتصبح انتقاداته أكثر حدة عندما ينتقل إلى مسألة إعادة الإعمار. فبعد تدمير المنازل والمدارس والمستشفيات والجامعات وغيرها من المؤسسات الأساسية، ينبغي أن تكون إعادة الإعمار عنصراً لا غنى عنه في أي التزام جاد بإنهاء الكارثة الإنسانية. غير أن فينكلشتاين يرفض الافتراض القائل إن انتهاء المرحلة الأكثر حدة من العنف سيؤدي تلقائياً إلى بدء عملية إعادة البناء.
ومنطقه واضح: لا يمكن إعادة بناء منطقة دُمّرت بصورة منهجية بمجرد إعلان السلام. فإذا ظلت الآليات الضرورية لإعادة الإعمار غائبة، واستمر تقييد المساعدات الإنسانية، وبقي السكان محرومين من المأوى الكافي والخدمات الأساسية، فهذا يعني أن الظروف التي تنتج المعاناة الفلسطينية لم تتغير بصورة جوهرية.
ويحتل تدمير المؤسسات التعليمية في غزة مكانة خاصة في تحليله. إذ يشير فينكلشتاين إلى أن غزة حققت معدلات مرتفعة للغاية في الإلمام بالقراءة والكتابة. ولذلك، فإن تدمير المدارس لا يعني مجرد خسارة المباني، بل يستهدف قدرة المجتمع على تعليم أطفاله، والحفاظ على حياته الفكرية، وإعادة إنتاج المؤسسات الاجتماعية التي يعتمد عليها مستقبله.
وينطبق المنطق نفسه على تدمير المنازل والمستشفيات. فالمنزل ليس مجرد بناء مادي، بل هو أساس الحياة الأسرية. والمستشفى ليس مجرد مبنى، بل مؤسسة ضرورية للحفاظ على الحياة. أما الجامعة، فليست مجرد مجموعة من القاعات الدراسية، بل فضاء ينتج فيه المجتمع المعرفة ويُعِدّ الأجيال القادمة.
وعندما تُدمَّر هذه المؤسسات على هذا النطاق الواسع، فإن العواقب تتجاوز بكثير اللحظة المباشرة للعنف.
ويخلص فينكلشتاين إلى نتيجة بالغة الوضوح: لا يمكن فهم غزة من خلال أعداد القتلى أو المباني المدمرة وحدها. فالسؤال الأعمق هو ما إذا كان الفلسطينيون سيُتركون أمام الظروف المادية اللازمة للبقاء في وطنهم وإعادة بناء حياتهم. وهو يفسّر استمرار الحرمان، بالتزامن مع غياب إعادة إعمار حقيقية، باعتباره دليلاً على أن الهدف الأساسي المتمثل في إبعاد الفلسطينيين عن غزة لم يختفِ.
ومن هذا المنظور، لا تُعدّ المساعدات الإنسانية مسألة ثانوية، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسؤال الأساسي المتعلق بما إذا كان سيُسمح للفلسطينيين بأن تكون لهم حياة ومستقبل في غزة أصلاً.
3. ما وراء الحكومة: المجتمع والمسؤولية وتطبيع العنف
من أكثر جوانب مقابلة فينكلشتاين إثارة للقلق رفضه التعامل مع تدمير غزة باعتباره مسؤولية تقتصر على القادة السياسيين. فهو يتحدى التمييز المألوف بين الحكومة والسكان عندما يُستخدم هذا التمييز لإعفاء مجتمع بأكمله من مواجهة علاقته بالعنف الذي تمارسه الدولة.
ولا يقول فينكلشتاين إن كل إسرائيلي يتحمل المسؤولية نفسها أو إن جميع الأفراد يتبنون المعتقدات ذاتها. بل يدرس العلاقة بين المواقف العامة والمؤسسات العسكرية وتطبيع العنف الممارس ضد الفلسطينيين.
وتشكّل مناقشته لاستطلاعات الرأي العام محوراً أساسياً في حجته. فهو يشير إلى استطلاعات يصف نتائجها بأنها أظهرت تأييداً واسعاً لدى اليهود الإسرائيليين لمستوى القوة المستخدمة في غزة، في مقابل أقلية محدودة اعتبرت هذا الاستخدام مفرطاً. كما يشدد على أن إسرائيل تمتلك جيشاً قائماً على التجنيد الإلزامي والخدمة العسكرية للمواطنين، وهو جيش يعكس شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، وليس طبقة عسكرية معزولة عن السكان.
ويرى فينكلشتاين أن هذه المعطيات تجعل من الصعب اختزال المشكلة في حكومة بعينها أو مجموعة محدودة من المتطرفين السياسيين. فعندما يتشكل الجيش من مختلف فئات المجتمع، ويحتفي الجنود علناً بتدمير البنية التحتية المدنية، ولا يبدو أن هذه السلوكيات تؤدي إلى نبذ اجتماعي واسع، يصبح من الضروري إجراء فحص جاد للعلاقة بين العنف العسكري والمواقف المجتمعية.
وتزداد قوة حجته لأنه يضع الحالة الإسرائيلية ضمن فهم تاريخي أوسع للوحشية التي يمكن أن تتجذر في المجتمعات. فهو يستحضر الطبيعة العلنية لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون بحق السود في جنوب الولايات المتحدة، حيث لم يكن العنف العنصري يجري دائماً في الخفاء، بل كان يتحول أحياناً إلى مشهد عام تشارك فيه أسر وأفراد عاديون، وتغضّ عنه قطاعات من المجتمع الذي يُنظر إليه على أنه محترم.
كما يشير إلى طرد السكان الأصليين لأمريكا وتدمير مجتمعاتهم، مذكّراً بأن شخصيات بارزة ارتبطت بحركة إلغاء العبودية كانت قادرة، في الوقت نفسه، على إبداء الاحتقار تجاه السكان الأصليين.
وتهدف هذه المقارنات إلى توضيح نقطة محددة. ففينكلشتاين لا يدّعي أن جميع المجتمعات أو الفظائع التاريخية متطابقة، بل يحذّر من الافتراض المريح بأن مستوى التعليم أو الإنجازات الثقافية أو الصورة الذاتية بوصف المجتمع ديمقراطياً، يمكن أن تحميه تلقائياً من المشاركة في أقصى أشكال القسوة.
فقد ينتج المجتمع مفكرين وفنانين وعلماء مرموقين، بينما يتسامح في الوقت نفسه مع اضطهاد شعب آخر أو يدعمه. ولا يضمن وجود مؤسسات جديرة بالتقدير غياب الإخفاق الأخلاقي الجماعي.
ولهذا السبب أيضاً تكتسب تأملات فينكلشتاين الشخصية، بصفته باحثاً يهودياً، أهمية خاصة. فهو يصف نشأته في بيئة يهودية احتل فيها التفوق الفكري والإبداع الثقافي والاهتمام بالمعرفة مكانة مركزية في تصوره للهوية اليهودية. وفي ضوء هذه الخلفية، يعبّر عن صعوبة عميقة في استيعاب مشهد استهداف الجنود الإسرائيليين للأطفال الفلسطينيين، وما يبدو أنه تطبيع لهذا العنف.
ولا يقدّم رد فعله باعتباره مجرد إعلان عن الشعور بالخجل، بل بوصفه تعبيراً عن حيرة أخلاقية عميقة: كيف يمكن لمجتمع ارتبط في تجربته بالإنجازات الفكرية والثقافية أن يتقبل مثل هذه القسوة؟
ويتمثل جواب فينكلشتاين في أن الهوية التاريخية لا تمنح أي مجتمع حصانة ضد الهمجية. فلا يمكن لأي جماعة أن تجعل من معاناتها السابقة أو إنجازاتها الثقافية أو تصورها لذاتها بوصفها صاحبة تفوق أخلاقي بديلاً عن مساءلة ما تفعله بالآخرين.
وتكمن صعوبة هذه الحجة في أنها ترفض التفسيرات السهلة. فهي تقتضي النظر إلى المسؤولية ليس على مستوى سياسات الحكومة فحسب، بل أيضاً على مستوى المواقف العامة والظروف الاجتماعية التي تسمح باستمرار تلك السياسات.
4. القانون الدولي والأمم المتحدة وتقويض المساءلة
إذا كان تحليل فينكلشتاين لما يجري في غزة لا يعرف المساومة، فإن انتقاداته للمؤسسات الدولية التي تعاملت مع هذا الدمار لا تقل حدة.
ويتناول كتابه Gaza's Gravediggers ما يراه دوراً لأفراد ومؤسسات نافذة في حجب حقيقة الدمار وإضعاف الجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عنه.
وتتمثل المفارقة الأساسية في حجته في أن القانون الدولي يظل ضرورة لا غنى عنها، حتى عندما تفشل المؤسسات المسؤولة عن تطبيقه مراراً في الوفاء بالتزاماتها.
ولا يعتقد فينكلشتاين أن على حركة التضامن مع فلسطين أن تتخلى ببساطة عن المؤسسات الدولية باعتبارها مؤسسات ميؤوساً من إصلاحها. بل يرى، على العكس، أن القرارات والتقارير الرسمية والأحكام القانونية يمكن أن توفر أدوات مهمة للتعبئة السياسية. وتبدأ المشكلة عندما تُحرَّف هذه النتائج أو يُقلَّل من شأنها أو تُفصل عن آثارها العملية.
وتوضح مناقشته للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن الاحتلال الإسرائيلي هذه النقطة. إذ يرى أن تداعيات ذلك الرأي تتجاوز بكثير مجرد الدعوة إلى إجراء مزيد من المفاوضات. ووفقاً لتفسيره، فإن استنتاجات المحكمة تقوّض الافتراض القائل إن وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة يمكن أن يظل موضوعاً مفتوحاً للمساومة إلى أجل غير مسمى.
ويشدد على ما يترتب على ذلك فيما يتعلق بالمستوطنات والقدس الشرقية والأساس الإقليمي لإقامة الدولة الفلسطينية. فمن وجهة نظره، تترتب على هذه الاستنتاجات القانونية التزامات لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية تحت غطاء المسارات الدبلوماسية.
وهنا يظهر التناقض الأساسي الذي يراه فينكلشتاين في الخطاب السياسي البريطاني. فهو يرحب بالتصريحات التي تضع القانون الدولي في صميم السياسة الخارجية البريطانية، لكنه يؤكد أن مثل هذه الالتزامات يجب أن تترجم إلى نتائج عملية. فإذا أقرت حكومة ما بعدم قانونية المستوطنات واعترفت بأهمية النتائج التي توصلت إليها الهيئات القضائية الدولية، فلا يمكنها أن تتمسك بهذه المبادئ خطابياً ثم ترفض تطبيق ما يترتب عليها.
وبالنسبة إلى فينكلشتاين، لا تكمن المشكلة في غياب اللغة القانونية، بل في الفصل المستمر بين الاعتراف القانوني والتنفيذ السياسي.
ولهذا يطرح مطلباً سياسياً بسيطاً وواضحاً: طبّقوا القانون.
ويختصر هذا الشعار العلاقة بين تحليله القانوني وفهمه للنضال السياسي. فلا يجوز أن يظل القانون الدولي محصوراً في التصريحات والآراء الاستشارية والإدانات الرسمية. وإذا كانت الحكومات تطبق القانون بصورة انتقائية، فإن مهمة حركة التضامن هي الضغط عليها للوفاء بالتزاماتها ومواجهة النتائج المترتبة على مواقفها القانونية نفسها.
أما تقييم فينكلشتاين للأمم المتحدة، فهو أكثر تشاؤماً. ويوضح أن نظرته تطورت مع دراسته لسلوك مسؤولين ومؤسسات محددة خلال تدمير غزة. ففي البداية، تعامل مع المشكلة باعتبارها مجموعة من بؤر الفساد التي يمكن تحديدها، ودعا إلى إقالة بعض الأشخاص من مناصبهم أو توجيه اللوم العلني إليهم ومحاسبتهم. لكنه توصل، بحلول نهاية بحثه، إلى استنتاج أوسع بكثير بشأن النظام المؤسسي بأكمله، واصفاً إياه بأنه «جثة متعفنة».
ولا يعني هذا الحكم أن القانون الدولي فقد معناه، بل يعبّر عن غضبه من الهوة بين المبادئ التي تعلنها المؤسسات الدولية وسلوكها عندما تكون هذه المبادئ في أمسّ الحاجة إلى التطبيق.
ويتناول فينكلشتاين، ضمن قضايا أخرى، الطريقة التي عُرضت بها إجراءات محكمة العدل الدولية، والادعاءات المتعلقة بالعنف الجنسي المرتبط بأحداث السابع من أكتوبر. ويتهم مسؤولين بعينهم بتحريف السجل القانوني أو الاستمرار في ترويج ادعاءات يرى أنها لم تحظَ بأدلة كافية. وينطلق انتقاده من قناعة أوسع مفادها أنه لا ينبغي السماح للمسؤولين العموميين بإعادة صياغة نتائج المؤسسات بما يخدم مصالحهم السياسية أو مساراتهم المهنية الشخصية.
وبالنسبة إليه، ليست هذه التحريفات أخطاء إدارية بسيطة، بل يمكنها تقويض مكاسب قانونية تحققت بعد صراع طويل، وتشويش فهم الرأي العام، ومنح الحكومات فرصاً جديدة للتهرب من المساءلة.
ومع ذلك، لا يتبنى فينكلشتاين موقفاً استسلامياً. فالمقابلة تكشف عن تمييز واضح بين فقدان الثقة بالمؤسسات والتخلي عن النضال لإخضاعها لمعاييرها المعلنة. ولا يزال يرى أن النتائج القانونية يمكن أن تتحول إلى أدوات للضغط السياسي، شرط أن تفهمها حركات التضامن وتدافع عنها وترفض السماح للحكومات بالتهرب من تبعاتها.
5. قوة الحقيقة وإمكانية تحقيق الانتصار السياسي
يتمثل الموضوع الأعمق في مقابلة فينكلشتاين في نظرته إلى الحقيقة بوصفها ممارسة فكرية منضبطة وشكلاً من أشكال المقاومة السياسية في الوقت نفسه.
فهو يصف عمله بأنه محاولة لتفكيك التضليل وكشف الاحتيال. وتعتمد منهجيته على التدقيق والصبر: فحص الوثائق، ومقارنة التصريحات الرسمية بالسجلات الأصلية، وتحديد التناقضات، وإظهار المواضع التي تنهار فيها الحجج. وقد تكون هذه العملية مرهقة ومملة، لأنها تتطلب دراسة دقيقة للتقارير والإجراءات القانونية والقرارات المؤسسية. لكن فينكلشتاين يرى أن قوة البحث الرصين تكمن تحديداً في هذا العمل التفصيلي.
وكما يوضح، تتمتع الحقيقة بميزة حاسمة: إنها متماسكة. فأجزاؤها المختلفة تنسجم بعضها مع بعض لأنها مرتبطة بالواقع. أما الكذبة، فعلى النقيض من ذلك، فتحتاج باستمرار إلى الترقيع والتبرير والدفاع عنها في مواجهة التناقضات التي تظهر عند إخضاعها للتدقيق.
وتفسّر هذه القناعة الأهمية الكبيرة التي يوليها فينكلشتاين للأدلة الوثائقية والتحليل التفصيلي للمؤسسات. فهو لا يعتقد أن كشف التجاوزات يتطلب دائماً مفاجأة مدوية أو دليلاً واحداً حاسماً. ففي بعض الأحيان، يأتي أقوى إثبات للتضليل من إعادة بناء السجل بدقة كافية تجعل التناقضات مستحيلة التجاهل.
كما يكشف حديثه عن تأليف كتاب Gaza's Gravediggers عن البعد العاطفي لهذا العمل. فهو يعترف صراحة بغضبه عندما يواجه ما يراه تزويراً متعمداً للحقائق، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بشعب عانى بالفعل آلاماً هائلة. وهكذا تصبح الكتابة نوعاً من العلاج، وطريقة لمواجهة الأكاذيب التي يجدها غير مقبولة أخلاقياً، وتحويل الغضب إلى جهد فكري متواصل ومنهجي.
لكن فينكلشتاين يؤكد أيضاً أن الانتصار الفكري يجب أن يرتبط بهدف سياسي. فهو لا يريد الاكتفاء بكشف التناقضات أو الانتصار في النقاشات العلنية، بل يريد لهذه الحجج أن تسهم في إحداث تغيير ملموس.
ولهذا تكتسب استجابته للتصريحات السياسية البريطانية أهمية خاصة. فعلى الرغم من تحفظاته العميقة، يرى فرصة عندما يعلن أحد القادة السياسيين التزامه بالقانون الدولي. وبدلاً من رفض التصريح منذ البداية باعتباره بلا معنى، يدعو حركة التضامن إلى التعامل معه بجدية والمطالبة بتنفيذه.
ويقوم منطقه على الواقعية من دون مساومة. فالقادة السياسيون يمكن أن يتأثروا بالسخط الشعبي. وحتى عندما تغيّر حكومة ما خطابها استجابة للضغوط الانتخابية، لا بدافع القناعة الأخلاقية، فإن هذا التحول يثبت أن الرأي العام المنظم قادر على التأثير في السياسات.
ويرى فينكلشتاين أن هذا درس مهم لكل من يلتزم بالتضامن مع فلسطين. فالغضب وحده لا يكفي، بل يجب تحويله إلى ضغط وتنظيم ومطالب واضحة لا تستطيع الحكومات الالتفاف عليها بسهولة.
ومن هنا يدعو الحركة المناهضة للحرب إلى التركيز على هدف محدد: تطبيق القانون الدولي. ويعني ذلك رفض السماح للقادة السياسيين بالاستناد إلى المبادئ القانونية عندما تخدم مصالحهم، ثم التخلي عنها عندما تصبح نتائجها العملية غير مريحة. كما يعني فهم السجل القانوني فهماً عميقاً بما يكفي لمواجهة محاولات التهرب والمطالبة بالاتساق.
ويتطلب هذا النهج أيضاً إدراك أن التقدم السياسي لا يتحقق لمجرد أن حجة ما مقنعة أخلاقياً. بل يحتاج الأمر إلى عمل متواصل لتحويل الحجة إلى مطلب، والمطلب إلى ضغط شعبي، والضغط الشعبي إلى تغيير في السياسات.
ويتميّز نهج فينكلشتاين بصرامته لأنه يرفض شكلين من أشكال الاستسلام. الأول هو الاعتقاد بأن الحكومات القوية لا يمكن أن تتأثر أبداً بالرأي العام. والثاني هو الاعتقاد بأن كشف الظلم يكفي في حد ذاته، حتى لو لم يسهم هذا الكشف في تغيير الظروف التي تسمح باستمرار ذلك الظلم.
وفي مواجهة هذين الشكلين من الاستسلام، يطرح فينكلشتاين نهجاً يجمع بين الدقة الفكرية والإصرار السياسي.
الخاتمة: رفض السماح باختفاء غزة من الذاكرة
تمثل مداخلة نورمان فينكلشتاين في هذه المقابلة، في جوهرها، رفضاً لتطبيع معاناة الفلسطينيين. فهو يتحدى اللغة التي تحجب تدمير غزة، والسرديات السياسية التي تفصل العنف عن جذوره الاجتماعية، والممارسات المؤسسية التي تضعف قوة القانون الدولي.
ويشكّل إصراره على أن ما يجري في غزة لا يمكن فهمه باعتباره حرباً فحسب محوراً أساسياً لهذا التحدي. فهو يطالب بتقييم تدمير الحياة المدنية وفق حقيقته، بدلاً من إخضاعه لإطار يصوّر معاناة الفلسطينيين على أنها نتيجة جانبية لا مفر منها للمواجهة العسكرية.
ويمتد تحليله لإعادة الإعمار بهذا المطلب إلى المستقبل. فوقف إطلاق النار، بحد ذاته، لا يستطيع إعادة بناء مجتمع دُمّرت منازله ومدارسه ومستشفياته وجامعاته. كما أن تقديم المساعدات الإنسانية من دون إعادة إعمار حقيقية لا يمكن أن يوفّر شروط الحياة الكريمة. ويثير استمرار غياب هذه الشروط أسئلة جوهرية بشأن ما إذا كان يُسمح للفلسطينيين فعلاً بإعادة بناء حياتهم في وطنهم.
ويضيف انتقاده للمؤسسات الدولية بُعداً آخر إلى حجته. فالقرارات القانونية مهمة، لكنها تفقد جانباً كبيراً من قيمتها العملية عندما يُسمح للحكومات والمسؤولين بالتهرب من نتائجها. وبالنسبة إلى فينكلشتاين، لا يكمن الحل في الإيمان الأعمى بالمؤسسات الدولية أو التخلي عنها بالكامل، بل في فهم نتائجها، وكشف تحريفاتها، وحشد الجهود حول الالتزامات التي تقررها.
وفوق كل شيء، يبيّن عمله الأهمية السياسية لرفض ترك الحقيقة في أيدي أصحاب النفوذ المؤسسي الأكبر. فعندما تتناقض الروايات الرسمية مع السجلات والوثائق، ينبغي فحص تلك السجلات. وعندما يحرّف المسؤولون العموميون النتائج القانونية، يجب كشف هذا التحريف. وعندما تعلن الحكومات التزامها بالقانون الدولي، ينبغي مطالبتها بالتصرف وفقاً لما تعلنه.
ولا يقدم فينكلشتاين وهماً مريحاً مفاده أن البحث الأكاديمي الدقيق قادر وحده على إنهاء الظلم. بل يقدم قناعة أكثر تطلباً: أن التحليل المتأني يستطيع كشف مواطن الضعف في الأكاذيب القوية، وأن الضغط الشعبي المنظم يمكن أن يؤثر في القرارات السياسية، وأن النزاهة الفكرية يمكن أن تصبح جزءاً من نضال أوسع من أجل المساءلة.
ولا تكمن أهمية حجته فيما يقوله عن غزة فحسب، بل أيضاً فيما يطالب به أولئك الذين يرفضون قبول تدمير حياة الفلسطينيين باعتباره سمة عادية من سمات السياسة الدولية.
إن قول الحقيقة عن غزة يعني رفض العبارات المضللة، ومواجهة إخفاقات المؤسسات، والإصرار على أن تترتب على المبادئ القانونية نتائج فعلية. كما يعني إدراك أن الصراع على معنى الأحداث لا ينفصل عن الصراع على ما سيحدث بعد ذلك.
وبالنسبة إلى فينكلشتاين، فإن المهمة واضحة: الحفاظ على السجل الموثّق للأحداث، وكشف الأكاذيب، ومحاسبة المسؤولين، ورفض السماح للتصريحات المبدئية بأن تحل محل العمل الفعلي.
فالحقيقة لا ينبغي أن تُقال فحسب، بل يجب الدفاع عنها، والتنظيم حولها، وتحويلها إلى ضغط سياسي.
وهنا تكمن القوة المستمرة لحجة نورمان فينكلشتاين: رفض السماح بإخفاء تدمير غزة وراء لغة الحرب، أو هيبة المؤسسات، أو مرور الزمن.