نورمان فينكلشتاين: هل يستطيع أحد إيقاف إسرائيل؟
لا يكفي لفهم ما جرى في غزة الاكتفاء بإحصاءات الضحايا، أو صور الدمار، أو التصريحات الرسمية الصادرة عن الحكومات. فالمسألة الأعمق تتمثل في كيفية استمرار كارثة بهذا الحجم أمام أنظار العالم، والآليات التي تسهم في إدامتها، والأسباب التي تدفع مؤسسات تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والقيم الديمقراطية إلى الصمت أحيانًا إزاء معاناة البشر، أو إلى اتخاذ مواقف تقييدية بحق من يحتجون على تلك المعاناة.
10/9/20261 دقيقة قراءة


نورمان فينكلشتاين: هل يستطيع أحد إيقاف إسرائيل؟
لا يكفي لفهم ما جرى في غزة الاكتفاء بإحصاءات الضحايا، أو صور الدمار، أو التصريحات الرسمية الصادرة عن الحكومات. فالمسألة الأعمق تتمثل في كيفية استمرار كارثة بهذا الحجم أمام أنظار العالم، والآليات التي تسهم في إدامتها، والأسباب التي تدفع مؤسسات تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والقيم الديمقراطية إلى الصمت أحيانًا إزاء معاناة البشر، أو إلى اتخاذ مواقف تقييدية بحق من يحتجون على تلك المعاناة.
في المقابلة التي تستند إليها هذه المقالة، يسعى نورمان فينكلشتاين، الباحث المعروف والناقد لسياسات الحكومة الإسرائيلية، إلى تجاوز الأحداث اليومية والنظر في هذه الأسئلة ضمن إطار سياسي وتاريخي واجتماعي أوسع. ولا تقتصر أهمية تصريحاته على انتقاداته الحادة لممارسات الحكومة الإسرائيلية، بل تكمن أيضًا في محاولته تفسير العلاقة بين السلطة والإعلام والرأي العام وإمكانات المقاومة الاجتماعية.
يشير فينكلشتاين إلى تناقض جوهري: فمن جهة، اكتسبت القضية الفلسطينية، ولا سيما بعد الحرب على غزة، حضورًا متجددًا في الرأي العام، بل أصبحت أكثر بروزًا في المنافسات الانتخابية في بعض الدول الغربية. ومن جهة أخرى، لا تزال الجامعات والمؤسسات الثقافية وبعض مجالات الفضاء العام تفرض قيودًا على التعبير عن المواقف المؤيدة لفلسطين.
وتكشف هاتان الحقيقتان، عند النظر إليهما معًا، أن تغير الرأي العام لا يؤدي بالضرورة إلى تغير فوري في السياسات الرسمية. فقد يتغير المجتمع، في حين تواصل المؤسسات السياسية والاقتصادية مقاومة هذا التغيير.
إن الدفاع عن آراء فينكلشتاين في هذا السياق لا يعني التسليم بجميع تقييماته من دون تمحيص، بل يعني التعامل بجدية مع الأسئلة التي يطرحها، وفحص حججه المتعلقة بالمسؤولية السياسية والحقيقة والسلطة. وتكمن إحدى نقاط القوة في مقاربته في رفضه اختزال النقاش حول فلسطين في مجرد تنافس بين الروايات الرسمية؛ فهو يدعو بدلًا من ذلك إلى فحص الأدلة، وتمحيص الادعاءات، وإخضاع أصحاب السلطة للمساءلة.
1. غزة وتحول الرأي العام: فجوة لم يعد بالإمكان تجاهلها
من أبرز النقاط في مقابلة فينكلشتاين تأكيده التغيرات التي شهدها المناخ السياسي والاجتماعي المتعلق بفلسطين في الولايات المتحدة. ويذكّر بأن الدعوة العلنية إلى إنهاء الحصار المفروض على غزة قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كان من الممكن أن تترتب عليها كلفة سياسية كبيرة لأي مرشح انتخابي في الولايات المتحدة. ووفقًا لرؤيته، كان تبني مثل هذا الموقف قد يتحول آنذاك إلى عامل يضر بحظوظ المرشح في كثير من المنافسات الانتخابية. لكن هذا الوضع تغير في السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب.
ويرى فينكلشتاين أن دعم فلسطين في بعض الانتخابات المحلية، وحتى في مستويات سياسية أعلى، لم يعد يعني بالضرورة خسارة الانتخابات، بل قد يتحول إلى أحد العوامل التي تعزز جاذبية المرشح. ويعتبر هذا التحول مؤشرًا على تغير مهم في حدود النقاش السياسي الأمريكي.
ولا ينبغي التقليل من أهمية هذا التطور. فالرأي العام في الأنظمة السياسية ليس مجرد مجموعة من المعتقدات الشخصية، بل يمثل أحد العوامل التي تسهم في تشكيل شرعية القرارات الحكومية. وعندما تتحول قضية كانت مهمشة في السابق إلى موضوع حاضر في النقاش العام، قد ترتفع الكلفة السياسية للدفاع عن السياسات القائمة.
وبالطبع، لا يضمن تغير الرأي العام وحده حدوث تحول في السياسة الخارجية. فقد تتخذ الحكومات قراراتها تحت تأثير التحالفات السياسية والمصالح الاستراتيجية والعلاقات العسكرية والضغوط الاقتصادية. ومع ذلك، يمكن لتنامي المعارضة الشعبية أن يضيّق هامش تحركها ويجعل استمرارها في اتباع السياسات القائمة أكثر صعوبة.
ويحدد فينكلشتاين عاملين رئيسيين وراء هذا التحول: أولهما اتساع نطاق الدمار والمعاناة الإنسانية في غزة ووضوحهما أمام العالم، وثانيهما الانتشار الواسع للصور والمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام البديلة.
ويرى أن الكم الهائل من الأدلة المصورة والتقارير المنشورة على الإنترنت جعل التحكم في الرواية العامة أكثر صعوبة. فعندما تصبح صور المنازل المدمرة والعائلات النازحة وأوضاع المدنيين متاحة لملايين الأشخاص، يغدو الحفاظ على رواية أحادية الجانب بشأن الحرب أكثر صعوبة.
ويعتقد فينكلشتاين أن وسائل الإعلام الرئيسية اضطرت تدريجيًا إلى الاهتمام ببعض جوانب الواقع التي لم تكن تحظى في السابق إلا بتغطية محدودة. وفي هذا السياق، يسلط الضوء على دور الإعلام الرقمي في كسر احتكار الرواية.
وبالطبع، فإن الوصول إلى المعلومات لا يعني تلقائيًا أن الجميع سيصلون إلى الحقيقة. فوسائل التواصل الاجتماعي قد تكون أيضًا مجالًا لنشر المعلومات المضللة. لكن النقطة الأساسية في حجة فينكلشتاين هي أن مجموعة محدودة من المؤسسات الإعلامية لم تعد قادرة بالسهولة نفسها على تحديد الصور والتقارير والأسئلة التي يُسمح لها بالظهور في المجال العام.
وهذا تحديدًا هو التحول الذي قد تترتب عليه نتائج سياسية على المدى الطويل. فالناس لم يعودوا مجرد متلقين سلبيين للرواية الرسمية، بل بات بإمكانهم مقارنة الروايات المختلفة، وتبادل الوثائق، ومطالبة المؤسسات النافذة بتقديم التفسيرات.
وفي هذا الجزء من المقابلة، يشير فينكلشتاين أيضًا إلى الحضور البارز للشباب في الاحتجاجات المرتبطة بغزة. وهو لا يرى في هذا التضامن مجرد رد فعل على صور الحرب، بل يرجح أن بعض أفراد الجيل الشاب يربطون أوضاع الفلسطينيين بشعورهم بالعجز وانعدام الاستقرار في حياتهم هم أيضًا.
فمن وجهة نظره، قد يرى جيل يواجه انعدام الأمان الوظيفي وصعوبة الحصول على السكن وتراجع فرص تكوين الأسرة في معاناة شعب يواجه قوة أكبر منه بكثير صورة رمزية لتجاربه الخاصة.
ولا يعني هذا التحليل أن الظروف المعيشية للشباب في الدول الغربية تعادل ظروف الفلسطينيين في غزة. وإنما يهدف إلى تفسير شكل من أشكال التعاطف السياسي، يقوم على الشعور بأن هياكل السلطة قادرة على التأثير بعمق في حياة البشر، في حين يمتلك الأفراد العاديون وسائل محدودة لتغيير أوضاعهم.
وهكذا، لم تعد غزة بالنسبة إلى بعض الشباب قضية بعيدة عنهم، بل تحولت إلى مسألة أخلاقية وسياسية. ويعتبر فينكلشتاين هذا التحول أحد أبرز التطورات في السنوات الأخيرة، لما قد يتيحه من أرضية لتشكيل تحالفات اجتماعية جديدة.
2. حرية التعبير تحت الضغط: الاختبار الحقيقي للمؤسسات التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية
يتمثل أحد أبرز محاور المقابلة في انتقاد فينكلشتاين لطريقة تعامل الجامعات والمؤسسات الثقافية مع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين. وهو يميز بين مسارين متزامنين: تزايد الأهمية السياسية لقضية غزة لدى قطاعات من المجتمع، وتضييق مساحة التعبير عن بعض الآراء في الأوساط الأكاديمية والمهنية.
ويطرح هذا التناقض سؤالًا جوهريًا بشأن معنى حرية التعبير: هل تُحترم حرية التعبير فقط ما دامت آراء الأفراد لا تتعارض مع مصالح المؤسسات النافذة؟ وهل ينبغي لجامعة تعلن التزامها بالاستقلال الأكاديمي وحرية الفكر أن تتمسك بالمبادئ نفسها عندما تواجه ضغوطًا مالية وسياسية؟
يرى فينكلشتاين أن كثيرًا من الجامعات لم تقاوم الضغوط الخارجية بالقدر الكافي عند تعاملها مع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين. ويشير إلى تأثير التبرعات المالية الكبرى ونفوذ المانحين الأثرياء والقرارات الإدارية في تشكيل البيئة الجامعية.
وتتمثل حجته الأساسية في أن استقلال الجامعات يجب ألا يكون مجرد شعار للعلاقات العامة. فإذا فرضت جامعة قيودًا على التعبير عن آراء معينة استجابة لاعتراض جماعة نافذة، فعليها أن تخضع للمساءلة بشأن مدى استقلالها الفعلي.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يناقش الطلاب والأكاديميون الحرب وحقوق الإنسان ومسؤولية الحكومات. فمن المفترض أن توفر الجامعات بيئة تُقيّم فيها الادعاءات استنادًا إلى الأدلة، وتُخضع فيها الحجج للنقاش والنقد، وتتاح فيها إمكانية التعبير عن الآراء غير الشائعة أيضًا، ما دامت ملتزمة بقواعد السلوك المشروعة.
لكن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني تجاهل التهديدات أو المضايقات أو التمييز أو العنف. فالجامعات مسؤولة عن حماية سلامة أفراد مجتمعاتها والتعامل مع السلوكيات التي تنطوي على تهديد. غير أن هذه المسؤولية يجب ألا تتحول إلى ذريعة لفرض قيود عامة على الآراء السياسية أو لمعاقبة الأفراد لمجرد انتقادهم ممارسات حكومة ما.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين أمرين: فانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يعني العداء لليهود، تمامًا كما أن انتقاد سياسات أي حكومة أخرى لا ينبغي أن يُعتبر تلقائيًا هجومًا على الهوية العرقية أو الدينية لشعبها. وفي المقابل، يجب ألا يتحول دعم الفلسطينيين إلى ذريعة لتبرير معاداة السامية أو استهداف الأفراد بسبب هويتهم.
ولا ينسجم الحفاظ على هذا التمييز مع حرية التعبير فحسب، بل يمثل أيضًا ضرورة للحفاظ على مصداقية الحركات المدافعة عن حقوق الفلسطينيين. فالانتقاد السياسي يصبح أكثر قوة عندما يكون دقيقًا ومستندًا إلى الأدلة وموجهًا إلى القرارات والهياكل المسؤولة.
ويشير فينكلشتاين خلال المقابلة إلى تقرير بشأن قمع حرية التعبير في الجامعات الأمريكية، قال إنه صدر عن منظمة العفو الدولية والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية. كما يتحدث عن تجارب في جامعات مختلفة وعن التفاوت في حجم التغطية الإعلامية للاحتجاجات.
ومن أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا النقاش ضرورة التعامل المتساوي مع الاحتجاجات. فإذا كانت شدة الإجراءات التأديبية أو حجم التغطية الإعلامية أو ردود فعل إدارات الجامعات تتأثر بالمكانة الاجتماعية والاقتصادية للطلاب، فإن مبدأ المساواة في المجال العام يصبح موضع تساؤل.
وفي نهاية المطاف، لا تكتسب حرية التعبير معناها الحقيقي إلا عندما تكون مكفولة للمنتقدين أيضًا، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بانتقاد السياسات العسكرية وقرارات المؤسسات النافذة.
ويتوقع فينكلشتاين من الجامعات والمثقفين الذين يصفون أنفسهم بأنهم مدافعون عن الحرية الأكاديمية أن يلتزموا بهذه المبادئ عمليًا. ويمكن اعتبار هذا المطلب جوهر انتقاده الأخلاقي: فلا ينبغي أن تتحول القيم الديمقراطية إلى مبادئ انتقائية لا يُدافع عنها إلا عندما تكون كلفة الدفاع عنها محدودة.
3. ما وراء القائد الواحد: المسؤولية السياسية وضرورة فحص الرأي العام
من أكثر حجج فينكلشتاين إثارة للجدل في المقابلة رفضه تفسير كل ما جرى في غزة من خلال شخصية بنيامين نتنياهو. ويرى أن وسائل الإعلام والمحللين يحاولون أحيانًا تحميل رئيس الوزراء الإسرائيلي المسؤولية الأساسية عن الأحداث، وكأن رحيله عن السلطة سيؤدي بالضرورة إلى زوال الأسباب الكامنة وراء الأزمة.
ويعتبر فينكلشتاين هذا التفسير غير كافٍ. فمن وجهة نظره، لا يبقى القادة السياسيون في السلطة بسبب سماتهم الشخصية وحدها، بل يعملون ضمن هياكل سياسية وتحالفات ومؤسسات واتجاهات اجتماعية أوسع. ولذلك، فإن فهم سياسات أي حكومة يتطلب دراسة البنى التي تتيح استمرار تلك السياسات، إلى جانب دراسة القادة أنفسهم.
وتطرح هذه الحجة سؤالًا مهمًا: عندما تستمر سياسة معينة فترة طويلة، فهل يكفي تفسيرها بالإشارة إلى قرارات شخص واحد؟ أم ينبغي أيضًا البحث في المؤسسات التي تدعمها، والقوى التي تقاوم تغييرها، والقطاعات الاجتماعية التي تقبلها أو تتسامح معها؟
ومن هذا المنطلق، يؤكد فينكلشتاين أهمية دراسة الرأي العام في إسرائيل. ويشير خلال المقابلة إلى عدد من استطلاعات الرأي التي قال إنها أظهرت أن نسبة كبيرة من المشاركين اليهود الإسرائيليين، وقت إجراء تلك الاستطلاعات، لم تعتبر استخدام القوة العسكرية في غزة مفرطًا أو أعربت عن تأييدها له. كما يشير إلى نتائج تفيد بأن عددًا ملحوظًا من المشاركين أنكر وجود مدنيين أبرياء في غزة أو أبدى قدرًا محدودًا من القلق إزاء التقارير المتعلقة بالجوع والمجاعة.
وقد عرضت هذه الأرقام في المقابلة بوصفها أدلة تدعم حجته بشأن المناخ السياسي والاجتماعي في إسرائيل. ومع ذلك، فإن استخدامها بصورة قاطعة يتطلب التحقق من الصياغة الدقيقة لأسئلة الاستطلاعات، وتواريخ إجرائها، وأساليب اختيار العينات، ومصادرها الأصلية. فمجرد ورود هذه الأرقام في مقابلة لا يغني عن تقييم مستقل لمنهجية تلك الاستطلاعات.
ومع مراعاة هذا التحفظ، يظل السؤال الذي يطرحه فينكلشتاين مهمًا: ما الدور الذي يؤديه الرأي العام في استمرار السياسات العسكرية؟ عندما تواجه سياسات الحكومة معارضة شعبية واسعة، قد ترتفع كلفتها السياسية. وفي المقابل، عندما تؤيدها قطاعات كبيرة من المجتمع أو تتعامل بلامبالاة مع عواقبها الإنسانية، يصبح تغيير المسار السياسي أكثر صعوبة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مسؤولية الحكومة ومسؤولية المؤسسات العسكرية ومسؤولية الأفراد. فلا يوجد مجتمع متجانس بالكامل، ولا يمكن تحديد مواقف جميع المواطنين اعتمادًا على نتائج استطلاع واحد فقط. كما يجب أخذ الأصوات المعارضة والفوارق بين الأجيال ومواقف الأقليات والتغيرات التي تطرأ بمرور الوقت في الحسبان.
لكن هذا التحفظ يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتجاهل المسؤوليات الجماعية والمؤسسية. فسياسات الحكومات لا تُنفذ في فراغ، بل تعتمد على الموارد المالية والقوى البشرية والدعم السياسي ومجموعة من القرارات التنفيذية. ولذلك، فإن دراسة الجهات التي تصمم هذه السياسات أو تنفذها أو تدعمها أو تنتقدها تمثل جزءًا أساسيًا من فهم الأزمة.
ويرى فينكلشتاين أيضًا أنه لا ينبغي حصر المسؤولية في قائد واحد، مع إعفاء الهياكل التي تتيح تنفيذ سياساته من التدقيق والمساءلة. وهذه نقطة مهمة سياسيًا، لأن تغيير شخص في موقع القيادة لا يعني بالضرورة تغيير السياسات.
وإذا كان الهدف هو منع تكرار الكارثة، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمن يتولى أعلى منصب في الحكومة، بل أيضًا بالآليات التي تشكل عملية اتخاذ القرار، والقيود المفروضة على السلطة، والضمانات القائمة لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.
4. السابع من أكتوبر والانتقام وأهداف الحرب: كيف تتحول الأزمة إلى فرصة استراتيجية؟
يناقش فينكلشتاين في جزء آخر من المقابلة تداعيات هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والأهداف التي يرى أنها سعت إليها الأطراف المعنية في أعقابها. وهو لا ينكر الخسائر البشرية التي وقعت في ذلك اليوم ولا يقلل من شأنها، بل يقر بأن مقتل أعداد كبيرة من الناس، بينهم مدنيون، كان حدثًا خطيرًا لا يمكن تجاهله.
لكن سؤاله الأساسي يتعلق بما حدث بعد ذلك: كيف يمكن لصدمة أمنية وسياسية أن تتحول إلى أساس لتوسيع العمليات العسكرية والسعي إلى تحقيق أهداف استراتيجية أوسع؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يميز فينكلشتاين بين ثلاثة عوامل: الصدمة التي أحدثتها الهجمات، والرغبة في الانتقام، واستغلال الأزمة لدفع أهداف قد تتجاوز الرد المباشر على الهجمات.
ومن وجهة نظره، وجهت هجمات السابع من أكتوبر ضربة قوية إلى صورة الردع الإسرائيلية. فقد واجهت دولة كانت ترى نفسها متفوقة استخباراتيًا وعسكريًا حدثًا كشف عن ثغرات مهمة في منظومتها الأمنية. ويرى فينكلشتاين أن جانبًا من الرد اللاحق ينبغي فهمه في إطار محاولة استعادة صورة القوة هذه وإعادة ترسيخ التأثير الردعي للقدرات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
كما يؤكد دور الانتقام. ففي رأيه، لا يمكن تفسير شدة الرد العسكري بالحسابات الأمنية وحدها، إذ يمكن للغضب والشعور بالإهانة والرغبة في الثأر أن تؤثر أيضًا في عملية اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة عند تحليل الحروب. فالحكومات تبرر عملياتها العسكرية عادة بمفاهيم الأمن والردع والدفاع. لكن تقييم هذه المبررات يتطلب طرح أسئلة أساسية: هل كانت الإجراءات المتخذة متناسبة مع الأهداف المعلنة؟ وهل جرى التمييز بين القوات العسكرية والمدنيين؟ وهل تسهم الاستراتيجية المتبعة في تحقيق أمن مستدام، أم أنها تؤدي إلى نشوء دورة جديدة من العنف؟
وفي هذا الإطار، يشير فينكلشتاين إلى مجموعة من الأهداف التي يرى أنها سعت إليها الأطراف المعنية في أعقاب الأزمة، وهي إحداث تغيير جذري في وضع غزة، وزيادة الضغط على الضفة الغربية، وإضعاف حزب الله، ومواجهة إيران. ويعتبر هذه الأهداف جزءًا من محاولة استغلال أزمة ظهرت في البداية بوصفها إخفاقًا أمنيًا كبيرًا لتحقيق مكاسب استراتيجية.
ويمثل هذا التقييم قراءة سياسية يقدمها فينكلشتاين للتطورات، ويتطلب إثبات كل هدف من الأهداف التي يطرحها الرجوع إلى الوثائق والقرارات الرسمية وتصريحات المسؤولين والأدلة المستقلة. ومع ذلك، يظل السؤال الذي يطرحه ضروريًا: هل تتوافق الأهداف المعلنة للحرب مع الإجراءات التي تُنفذ على الأرض؟
إذا كان الهدف المعلن هو حماية الأمن، فينبغي التحقق مما إذا كان توسيع الحرب وتدمير البنية التحتية الحيوية وتهجير أعداد كبيرة من السكان وتصعيد العداء الإقليمي يؤدي فعلًا إلى تحقيق أمن مستدام. فقد تحقق العمليات العسكرية مكاسب قصيرة الأجل، لكن خطر استمرار العنف يظل قائمًا إذا لم تعالج الأسباب السياسية الكامنة وراء الصراع.
وفي تقييمه للمواجهة مع إيران، يؤكد فينكلشتاين أيضًا أهمية التاريخ والصبر الاستراتيجي. ويجادل بأن القوة العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة لا تكفيان وحدهما لضمان النصر، بل ينبغي أخذ القدرات السياسية والتاريخية والاجتماعية للطرف المقابل في الحسبان.
أما إشارته إلى الحضارة الإيرانية الممتدة لآلاف السنين، فتهدف أساسًا إلى إبراز الاختلاف في المنظور التاريخي وطريقة التعامل مع الزمن. ومقصده أن الدول ذات التجارب التاريخية الطويلة قد تنظر إلى التطورات الراهنة ضمن إطار أوسع، وقد لا تتصرف بالضرورة وفق درجة الاستعجال نفسها أو منطق القوة ذاته الذي يميز القرارات قصيرة الأجل لدى بعض الحكومات.
ولا ينبغي تفسير هذه الحجة على أن عراقة الحضارة تضمن النصر العسكري تلقائيًا. فنتائج الحروب تعتمد على عوامل متعددة، من القدرات الاقتصادية والتكنولوجية إلى التحالفات والجغرافيا والإرادة السياسية والتكاليف الإنسانية. وتتمثل النقطة التي يمكن الدفاع عنها في حجة فينكلشتاين في أن الاعتماد المفرط على التفوق العسكري قد يؤدي إلى أخطاء جسيمة في الحسابات، خصوصًا عندما يجري التقليل من قدرات الطرف المقابل وإرادته.
ومن هذا المنظور، قد تمثل الأزمة فرصة لتوسيع النفوذ، لكنها قد تشكل في الوقت نفسه خطرًا يهدد بتآكله. فالدولة التي تعتقد أن بإمكانها حل جميع المشكلات السياسية باستخدام القوة العسكرية قد تجد نفسها في نهاية المطاف أمام حروب أكثر، من دون أن تتمكن من تحقيق أمن مستدام.
5. قوة الشعوب: من الضغط الاجتماعي إلى المساءلة السياسية
في الجزء الأخير من المقابلة، يتناول فينكلشتاين سؤالًا قد يكون الأهم سياسيًا: ما القوة التي يمكنها دفع الحكومات إلى الحد من عملياتها العسكرية وتغيير سياساتها؟
إجابته واضحة: قوة الشعوب.
يعتقد فينكلشتاين أن الرأي العام والضغط الاجتماعي يؤديان دورًا مهمًا في تقييد تصرفات الحكومات. ويشير إلى التغيرات التي طرأت على المناخ السياسي في الولايات المتحدة وبريطانيا، فضلًا عن تزايد الانتقادات للسياسات الإسرائيلية بين قطاعات من الشباب وبعض التيارات السياسية.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في الفجوة القائمة بين السلطة الرسمية والقوة الاجتماعية. فالحكومات تمتلك الجيوش والميزانيات والأجهزة الدبلوماسية والأدوات التنفيذية، لكن هذه الأدوات لا يمكن استخدامها بلا حدود من دون موارد مالية ودعم سياسي وشرعية شعبية وتعاون المؤسسات المختلفة.
ويمكن للاحتجاجات الشعبية والنشاط الطلابي والحملات الإعلامية والضغط على الممثلين المنتخبين والمطالبات بالمحاسبة أن تزيد الكلفة السياسية لاستمرار سياسة معينة. وقد لا تؤدي هذه الضغوط إلى تغيير فوري، لكنها تستطيع تعديل الحدود التي تتحرك ضمنها الحكومات عند اتخاذ قراراتها.
ومع ذلك، تشير حجة فينكلشتاين إلى نقطة أكثر جوهرية: يصبح التغيير في الرأي العام أكثر تأثيرًا عندما يتحول إلى مطالب محددة وقابلة للمتابعة.
إن إدانة الحرب أو التعبير عن التعاطف مع ضحاياها يمثل نقطة البداية، لكن تحويل التضامن إلى قوة سياسية يتطلب صياغة أهداف واضحة وقابلة للتحقيق. ومن أمثلة المطالب التي يمكن أن تشكل أساسًا للتحرك الشعبي، حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وإنهاء العقاب الجماعي، والالتزام بالقانون الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي هذا المسار، تكتسب الاستمرارية أهمية أساسية. فلا ينبغي أن يقتصر الضغط الاجتماعي على ردود الفعل المؤقتة تجاه الصور الصادمة. فعندما يتراجع اهتمام وسائل الإعلام أو تتصدر أزمة أخرى العناوين، يزداد خطر نسيان معاناة الضحايا. ولذلك، فإن الحفاظ على اهتمام الرأي العام ومتابعة المطالب بصورة مستمرة يمثلان جزءًا من مسؤولية حركات المجتمع المدني.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لهذه الحركات أن تستند إلى مبادئ واضحة للحفاظ على مصداقيتها، وفي مقدمتها رفض قتل المدنيين، والدفاع عن المساواة في الحقوق الإنسانية، ورفض التمييز العرقي والديني، ومعارضة أخذ الرهائن والعقاب الجماعي، والإصرار على محاسبة جميع الأطراف المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان.
وتحول هذه المبادئ التضامن من موقف عاطفي بحت إلى إطار سياسي وأخلاقي مستدام. وتبلغ المطالبة بحقوق الفلسطينيين أقوى مستوياتها الإقناعية عندما تؤكد في الوقت نفسه كرامة الإنسان والعدالة والمساواة في الحقوق.
ويرى فينكلشتاين في هذه المقابلة أن التغير في الرأي العام يمثل مؤشرًا على إمكانية التحول، لكنه لا يعتبره نهاية الطريق. فمن وجهة نظره، يجب أن يستمر الضغط من القاعدة إلى القمة، أي أن يطالب المواطنون السياسيين بالوفاء بالتزاماتهم والخضوع للمساءلة عن قراراتهم.
وعلى خلاف التشاؤم السياسي المطلق، تؤكد هذه الرؤية إمكانية التغيير. فلو لم يكن للرأي العام أي تأثير، لما أمكن لتغير المواقف أن يفرض كلفة على أصحاب السلطة. لكن تجارب الحركات الاجتماعية تظهر أن التحولات السياسية غالبًا ما تنتج عن تضافر الوعي العام والتنظيم والاستمرارية والمطالبة الحثيثة بالتغيير.
ومن هذا المنظور، لا يقتصر التضامن مع فلسطين على معارضة عملية عسكرية معينة، بل يعني الدفاع عن مبدأ أساسي مفاده أنه لا ينبغي إعفاء أي دولة من المساءلة بسبب قوتها العسكرية أو الدعم الذي تتلقاه من حلفائها.
الخاتمة: الحقيقة والمسؤولية وإمكانية التغيير
تقدم مقابلة نورمان فينكلشتاين قراءة نقدية للعلاقة بين الحرب والإعلام والرأي العام والسلطة السياسية. وتتمثل الفكرة الأساسية في حجته في أن فهم الكارثة في غزة لا يمكن أن يعتمد فقط على التصريحات الرسمية للحكومات أو التفسيرات التي يقدمها أصحاب السلطة. بل يتطلب فحص الأدلة، والتمييز بين الادعاءات والحقائق، والتساؤل عمن يستفيد من استمرار الوضع القائم ومن يتحمل كلفته.
ومن أهم ما تتناوله المقابلة التأكيد على تغير الرأي العام. فتزايد الاهتمام بالقضية الفلسطينية وطرحها بصورة أوسع في النقاشات السياسية والأكاديمية يثبتان أن الروايات السائدة ليست ثابتة إلى الأبد. ويمكن للوصول إلى المعلومات وعمل وسائل الإعلام المستقلة ومشاركة المواطنين في المجال العام أن تسهم في إضعاف احتكار الرواية.
وفي الوقت نفسه، تكشف تجارب الجامعات والمؤسسات الثقافية أن تغير المواقف الاجتماعية لا يؤدي بالضرورة إلى انتصار فوري لحرية التعبير. فالمؤسسات التي تدافع عن المبادئ الديمقراطية مطالبة بالالتزام بها حتى في الظروف الصعبة، لا أن تعترف بحرية التعبير فقط عندما يتعلق الأمر بآراء تحظى بقبولها.
وتتمثل نقطة أخرى مهمة في ضرورة تجاوز التركيز على شخصيات القادة. فدراسة قرارات أي حكومة من دون النظر إلى مؤسساتها وهياكل السلطة والتحالفات السياسية والبيئة الاجتماعية المحيطة بها تؤدي إلى صورة ناقصة. وينبغي تقييم مسؤولية كل فرد استنادًا إلى دوره والأدلة المتاحة، لكن يجب أيضًا إخضاع الهياكل التي تتيح استمرار السياسات الحربية للتدقيق والمساءلة.
وفي نهاية المطاف، يمكن تلخيص أهم رسالة سياسية في هذه المقابلة في التأكيد على قوة الشعوب. إذ تصبح التغييرات في السياسات أكثر احتمالًا عندما يتحول الوعي العام إلى مطالب مستمرة ومنظمة وواضحة. وقد تقاوم الحكومات الانتقادات المتفرقة، لكن الضغط الاجتماعي المستمر يستطيع رفع كلفة قراراتها وفتح المجال أمام تحولات سياسية جديدة.
إن الدفاع عن آراء فينكلشتاين، في أفضل معانيه، هو دفاع عن حق مساءلة السلطة وضرورة إخضاعها للمحاسبة: فلا ينبغي أن تكون أي حكومة فوق النقد، ولا يجوز قبول أي ادعاء رسمي من دون تمحيص، ولا ينبغي حرمان أي إنسان من حقوقه الأساسية بسبب هويته الوطنية أو العرقية أو الدينية.
تمثل غزة اختبارًا لهذه المبادئ، لكن أهمية هذا الاختبار تتجاوز الحدود الجغرافية لفلسطين بكثير. فالمسألة الحقيقية هي ما إذا كانت حقوق الإنسان تحتفظ بمعناها الفعلي عندما يتعلق الأمر بالدول القوية، وما إذا كانت حرية التعبير تشمل أيضًا منتقدي السياسات الرسمية، وما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على التمييز بين الادعاءات السياسية والأدلة الملموسة.
لن تتحدد الإجابات عن هذه الأسئلة من خلال الخطب والبيانات وحدها، بل ستتبلور عبر سلوك الحكومات واستقلال المؤسسات واستمرار النشاط المدني وقدرة المواطنين على المطالبة بالعدالة.
ومن هنا، يمكن فهم الرسالة النهائية لفينكلشتاين بوصفها دعوة إلى عدم الاستسلام للروايات الراسخة من دون مساءلة: يجب إخضاع الحقيقة للفحص، وإبقاء السلطة خاضعة للمحاسبة، وتحويل التضامن مع الضحايا من مجرد شعور إلى التزام مستمر بالدفاع عن حقوق الإنسان.