من اليأس إلى الكارثة: تحليل البروفيسور فينكلشتاين لأزمة غزة

في حلقة خاصة من بودكاست "UNAPOLOGETIC"، وبعد مرور عامين بالتمام على أحداث السابع من أكتوبر، سلط البروفيسور نورمان فينكلشتاين الضوء على الأبعاد العميقة لأزمة غزة. يقدم هذا اللقاء —الذي نحلله هنا بشكل مستفيض— رؤية جسورة وحادة تنفذ إلى الزوايا المظلمة والمسكوت عنها في الصراع. فينكلشتاين، المتسلح بعقود من البحث والمراقبة الدقيقة، يقدم رواية عن يأس شعب، وإخفاق استراتيجيات المقاومة، والتواطؤ المعقد للقوى العالمية ووسائل الإعلام فيما يصفه صراحة بـ "الإبادة الجماعية". يتناول هذا المقال إعادة فحص شاملة لهذه الأزمة بناءً على النقاط الجوهرية التي أثارها فينكلشتاين.

10/6/20251 دقيقة قراءة

من اليأس إلى الكارثة: تحليل البروفيسور فينكلشتاين لأزمة غزة

في حلقة خاصة من بودكاست "UNAPOLOGETIC"، وبعد مرور عامين بالتمام على أحداث السابع من أكتوبر، سلط البروفيسور نورمان فينكلشتاين الضوء على الأبعاد العميقة لأزمة غزة. يقدم هذا اللقاء —الذي نحلله هنا بشكل مستفيض— رؤية جسورة وحادة تنفذ إلى الزوايا المظلمة والمسكوت عنها في الصراع. فينكلشتاين، المتسلح بعقود من البحث والمراقبة الدقيقة، يقدم رواية عن يأس شعب، وإخفاق استراتيجيات المقاومة، والتواطؤ المعقد للقوى العالمية ووسائل الإعلام فيما يصفه صراحة بـ "الإبادة الجماعية". يتناول هذا المقال إعادة فحص شاملة لهذه الأزمة بناءً على النقاط الجوهرية التي أثارها فينكلشتاين.

يأس حماس وجذور كارثة السابع من أكتوبر: فعلٌ ناجم عن الانسداد

يفند فينكلشتاين السردية السائدة بأن هجوم حماس في السابع من أكتوبر كان "استراتيجية كبرى"؛ إذ يرى من منظوره أن الحدث كان ذروة ليأس عميق وسنوات من الانسداد السياسي التي دفعت الحركة لهذا الفعل. ويشير إلى أن حماس استنفدت كافة السبل الممكنة لنيل حقوق الشعب الفلسطيني: من الجهود الدبلوماسية، وإبداء الرغبة في "التعايش" (Modus Vivendi)، إلى القبول الضمني بحل الدولتين واقتراح هدن طويلة الأمد. غير أن كل هذه الجهود اصطدمت بجدار اللامبالاة الإسرائيلية ورفض الانخراط في أي "تسوية تفاوضية"؛ حيث لم تكن إسرائيل مهتمة إلا بـ "الاستسلام المطلق" للفلسطينيين.

علاوة على ذلك، يسلط فينكلشتاين الضوء على محاولات حماس لتوظيف القانون الدولي، ورغم تشككها في الهيئات الدولية، إلا أنها تعاونت معها أملاً في تحقيق حد أدنى من العدالة لغزة، لكن هذه الآمال تحولت أيضاً إلى سراب. ويجزم فينكلشتاين بأن "مسيرة العودة الكبرى" كانت قمة اليأس؛ وهي حركة مقاومة مدنية سلمية قوبلت بعنف إسرائيلي وحشي استهدف الأطفال والمسعفين والصحفيين. ويخلص إلى قوله: "لم يتبقَ أمام حماس سوى خيار التعفن والموت في معسكر اعتقال (غزة)"؛ وهي العبارة التي تلخص اليأس الذي أدى في النهاية لعملية السابع من أكتوبر، التي وصفها بأنها كانت "مقامرة" انتهت بـ "كارثة".

نسيان غزة و"هبة" نتنياهو: فرصة لـ "التطهير"

يؤكد فينكلشتاين أن غزة، قبيل السابع من أكتوبر، كانت قد غابت فعلياً عن الذاكرة العالمية؛ حيث انصب الاهتمام الدولي على انضمام السعودية لـ "اتفاقيات أبراهام" وتجاهل معاناة القطاع. في هذا السياق من النسيان، لم يكن السابع من أكتوبر بالنسبة لنتنياهو وحلفائه أزمة، بل كان "هبة من السماء" وفرصة "تأتي مرة واحدة في العمر" لـ "حل قضية غزة، وربما القضية الفلسطينية برمتها، وإلى الأبد".

يأمل نتنياهو، بيقين عميق، أن يسجل في التاريخ كـ "محرر لكامل أرض إسرائيل"، مراهناً على أن "الناس سينسون الإبادة والتهجير". هذا الاعتقاد يشكل العمود الفقري للاستراتيجية الإسرائيلية الحالية: القناعة بأن الفظائع ستُنسى مع الوقت وستتحقق الأهداف التوسعية. ويستشهد فينكلشتاين بالتاريخ الأمريكي وكيف نُسي لقب "مدمر المدن" الذي أطلقه الهنود الحمر على جورج واشنطن، ليؤكد أن هذا ما يعول عليه نتنياهو: هدف "التطهير العرقي" لغزة وضمها لـ "إسرائيل الكبرى"، دون أن يقف أي عائق أمام هذا المبتغى.

"إبادة جماعية" لا "حرب": تفكيك البروباغندا الإسرائيلية

من أكثر آراء فينكلشتاين حدة وتحدياً هو رفضه توصيف ما يحدث في غزة بـ "الحرب"، وإصراره على مصطلح "الإبادة الجماعية". ويتهم كل من يصف الأحداث بـ "حرب إسرائيل وحماس" بـ "التواطؤ في البروباغندا الإسرائيلية"، مسنداً رأيه بالحجج التالية:

* اختلال موازين القوى: ألقيت قنابل على غزة في أسبوع تفوق ما ألقي على أفغانستان في عام؛ فلا مجال لغزة المكتظة أن تشن "حرباً" ضد هذه القوة العسكرية الهائلة.

* التفاوت في الضحايا: نسبة القتلى (مثل ١٢ ألف فلسطيني مقابل ٥٠ جندياً إسرائيلياً في فترة معينة) تشير بوضوح إلى "إبادة" لا "حرب".

* استهداف المدنيين: في الحرب، يكون الهدف هزيمة جيش العدو، أما في غزة فالهدف هو تدمير الحاضنة المدنية. استهداف المستشفيات والمسعفين والصحفيين يثبت أنها إبادة. ويتساءل فينكلشتاين: "هل يستطيع أحد تسمية معركة حقيقية واحدة وقعت في غزة؟".

* مفهوم "التناسب": يرى فينكلشتاين أن الحديث عن "التناسب" في غزة غير ذي صلة؛ لأن إسرائيل لا تستهدف أهدافاً عسكرية أصلاً، بل تستهدف السكان المدنيين بشكل مباشر.

تواطؤ القوى والإعلام: شركاء في الكارثة

يتهم فينكلشتاين صراحة القادة والمؤسسات الدولية بـ "التواطؤ" في جرائم إسرائيل، ويخص بالذكر بايدن وبلينكن وسوليفان عبر إمداد إسرائيل الدائم بالسلاح والدعم السياسي، مؤكداً أن "إسرائيل لا يمكنها الصمود لخمس ساعات دون السلاح الأمريكي".

أما الإعلام، فيرى فينكلشتاين أن المنابر التي تصف الحدث بـ "حرب إسرائيل وحماس" أصبحت أدوات للبروباغندا الإسرائيلية. ويشير إلى تغطية "نيويورك تايمز" وبيرس مورغان، الذين ركزوا في البداية على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، ثم مع تفاقم الدمار تحولوا للحديث عن "الرد غير المتناسب"، وهو تحول يراه فينكلشتاين غير كافٍ لأنه لا يزال يحصر الحدث في إطار "الحرب" بينما هي "إبادة".

تحول الرأي العام واستشراف المستقبل

رغم القتامة، يقر فينكلشتاين بأن السابع من أكتوبر أحدث تغييراً جذرياً في الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية، مستشهداً بصعود مرشحين مؤيدين لفلسطين في نيويورك. ومع ذلك، يظل متشككاً في ديمومة هذا التغيير، مذكراً باجتياح لبنان ١٩٨٢ والانتفاضة الأولى؛ حيث كانت هناك ردود فعل قوية تلاشت مع الزمن. نتنياهو يراهن على هذا النسيان، مؤمناً بأن الأهداف ستتحقق والذاكرة ستمحى.

نظرة المجتمع الإسرائيلي: "حشرات" ونشوة في التدمير

يعد هذا الجزء من تحليل فينكلشتاين الأكثر إزعاجاً؛ إذ يزعم أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين ينظرون لأهل غزة كـ "حشرات" أو "نفايات بشرية". ويتجاوز في اتهامه نتنياهو وبن غفير ليشمل المجتمع الإسرائيلي برمته، قائلاً: "إنهم ليسوا مستعدين لإبادة الفلسطينيين فحسب، بل يشعرون بـ 'بهجة' غامرة وهم يفعلون ذلك"، مشبهاً الأمر بأطفال يحرقون النمل بالعدسات المكبرة ويستمتعون بمراقبته وهو يتآكل.

الخلاصة: نظرة نحو مستقبل غامض

يقدم تحليل البروفيسور فينكلشتاين صورة وحشية للوضع في غزة وللصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبشجاعة ودقة، يكشف الحقائق التي تحاول القوى العالمية والإعلام طمسها؛ من يأس حماس ودورها، إلى أهداف الإبادة الإسرائيلية وتواطؤ القوى الكبرى. في النهاية، يتوقع فينكلشتاين مستقبلاً غامضاً؛ فرغم التحولات الإيجابية في الرأي العام، يبقى السؤال الجوهري: هل سيسمح العالم هذه المرة بنسيان "التطهير العرقي" في غزة، أم أن هذه المأساة ستشكل منعطفاً حاسماً في التاريخ المعاصر؟