"جذور السابع من أكتوبر بمنظور البروفيسور فينكلشتاين: تشريح للفظائع في غزة"
لم يكن الطريق إلى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وليد اللحظة، بل كان طريقاً عُبِّدَ عبر عقود من القمع الممنهج والموت والدمار الذي صُبَّ على رؤوس أهل غزة. إن العودة إلى ذلك اليوم —لا سيما ونحن نقترب من ذكراه— تتطلب فهماً متجذراً في التجربة المعيشة للغزيين والسياسات الإسرائيلية المدروسة، بعيداً عن الروايات المنحازة التي تُصدّر غالباً. ومن منظوري الشخصي، وبعد أن وهبت حياتي المهنية لدراسة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن أحداث السابع من أكتوبر —مهما بلغت مأساويتها— يجب أن تُفهم كفعل يائس ضد وضع راهن لا يُطاق، وضعهُ الاحتلال الإسرائيلي بدقة متناهية.
9/24/20251 دقيقة قراءة


لم يكن الطريق إلى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ وليد اللحظة، بل كان طريقاً عُبِّدَ عبر عقود من القمع الممنهج والموت والدمار الذي صُبَّ على رؤوس أهل غزة. إن العودة إلى ذلك اليوم —لا سيما ونحن نقترب من ذكراه— تتطلب فهماً متجذراً في التجربة المعيشة للغزيين والسياسات الإسرائيلية المدروسة، بعيداً عن الروايات المنحازة التي تُصدّر غالباً. ومن منظوري الشخصي، وبعد أن وهبت حياتي المهنية لدراسة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن أحداث السابع من أكتوبر —مهما بلغت مأساويتها— يجب أن تُفهم كفعل يائس ضد وضع راهن لا يُطاق، وضعهُ الاحتلال الإسرائيلي بدقة متناهية.
لسنوات سبقت هذا التاريخ، توصلتُ إلى استنتاج قاتم: القضية الفلسطينية كانت تعيش حالة "موت سريري"؛ حيث هيمنت "اتفاقيات أبراهام" على الأجندة الدولية، وهُمّشت فلسطين لتصبح مجرد فكرة ثانوية، بينما تُرك شعبها يرزح ويموت فيما وُصف بدقة منذ عام ١٩٥٥ بأنه "معسكر اعتقال" —وهو وصف استخدمه مسؤولون في الأمم المتحدة، والسناتور ألبرت غور الأب، وحتى شخصيات إسرائيلية بارزة مثل غيورا إيلاند. لم يكن هذا مجرد تشبيه، بل كان توصيفاً صارخاً لسجن مفتوح، وهو الواقع الذي عاشته أجيال كاملة.
إن قرار حماس بشن هجوم السابع من أكتوبر كان، في تقديري، "مقامرة يائسة" ومحاولة لتحطيم وضع راهن بدا غير قابل للتغيير. لقد كان "تمرد عبيد" يستحضر ذكرى ثورة "نات تيرنر"، مدفوعاً بظروف حياة لا تطاق في غزة. هؤلاء الشباب الذين ولدوا وعاشوا ويتوقعون الموت في معسكر اعتقال، بلا آفاق ولا مفر، دُفعوا إلى أقصى درجات التطرف. ورغم أن الوحشية التي صاحبت تمرد نات تيرنر —وبعض جوانب السابع من أكتوبر— لا يمكن إنكارها، إلا أن السياق التاريخي يتطلب تفسيراً حذراً ينم عن فهم لعمق المأساة، تماماً كما اعتبر المناضل فريدريك دوغلاس تيرنر "شهيداً مجيداً".
أما القول بأن حماس تحكم غزة بقبضة استبدادية يبغضها الجميع، فهو تسطيح يتجاهل السجل التاريخي؛ فحماس انتُخبت ديمقراطياً عام ٢٠٠٦، وهو الفوز الذي استدعى فوراً حصاراً اقتصادياً وحشياً من قبل إسرائيل، مدعومة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. كان هذا الحصار سياسة مدروسة تهدف صراحةً إلى خلق ظروف تجبر الناس على الإطاحة بحماس. وتؤكد الوثائق نية إسرائيل وضع غزة على "حمية إنسانية بالحد الأدنى"، عبر إحصاء السعرات الحرارية بدقة لإبقائهم على حافة المجاعة. إن السبب الرئيسي للفقر المدقع في غزة هو هذا الحصار الإسرائيلي، وليس فساد حماس الداخلي، وهو ادعاء فندته العديد من المنظمات الأممية والإنسانية.
وعندما حُرمت حماس من أي مسار سياسي رغم انتخابها، انخرط الفلسطينيون في مقاومة مدنية سلمية خلال "مسيرات العودة الكبرى" عام ٢٠١٨. لقد شجعتُ ذلك آنذاك، مؤمناً بإمكانية نجاحه، لكنني كنت مخطئاً؛ إذ ردت إسرائيل بوحشية ممنهجة، واستهدفت القناصةُ الأطفال والمسعفين والصحفيين وذوي الإعاقة. إن تقرير الأمم المتحدة حول تلك الفترة كان دامغاً، حيث فصل عمليات قتل لأشخاص كانوا على بُعد ١٠٠ إلى ٣٠٠ متر من السياج، وغالباً برصاص في الجمجمة. إن هذا المستوى من البربرية، الذي يستهدف مبتوري الأطراف ورؤوس الأطفال، يتجاوز كل الحدود، ويشير إلى "عقلية مرضية" لا يمكن استيعابها. حتى الجنود الإسرائيليون أنفسهم، في تقارير مثل "كيف حاربنا" التي نشرتها منظمة "كسر الصمت"، يصفون كيف كان يسألهم الناس عند عودتهم من الجبهة: "هل قتلتَ عربياً؟"، ما يسلط الضوء على تبلد حس اجتماعي مخيف تجاه العنف ضد الفلسطينيين.
وفيما يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر نفسها، وبينما كان حجم المجزرة مروعاً، فإن بعض الروايات التي روجت لها إسرائيل —لا سيما بشأن الاغتصاب والعنف الجنسي واسع النطاق— ثبت بطلانها. فتقرير الأمم المتحدة الذي أعدته "نافي بيلاي" ذكر صراحةً غياب الأدلة على وقوع حالات اغتصاب. إن هذه الافتراءات تخدم غرضاً دعائياً واضحاً، عبر استدعاء الصور النمطية التاريخية "للرجل ذي البشرة الداكنة الذي يرتكب الاغتصاب" لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وحشد الدعم الدولي، خاصة في الولايات المتحدة.
لقد كان لرد الفعل الإسرائيلي ثلاثة أهداف واضحة: الانتقام، وترميم قوة الردع، ووضْع "حل نهائي" لقضية غزة. وقد حققوا ذلك بالفعل؛ فشهوة الانتقام تتجلى في القصف المتواصل والمجازر اليومية، وقوة الردع رُمِّمت بوحشية عبر تحويل غزة إلى ٤٥ مليون طن من الأنقاض لترهيب العالم العربي. كما أن الاغتيالات الممنهجة لقادة حماس وحزب الله تمثل فصلاً جديداً ومرعباً من البربرية.
أخيراً، يجري "حل قضية غزة" عبر جعلها مكاناً غير قابل للحياة. وبينما أُحبطت محاولة التطهير العرقي الشامل بدفع الغزيين إلى سيناء بفضل المقاومة المصرية، فإن الاستراتيجية الحالية لا تقل خبثاً: جعل الحياة مستحيلة حتى لا يجد السكان خياراً سوى الرحيل. ومع منع دخول الإسمنت لإعادة الإعمار ووجود ملايين الأطنان من الركام، يجري فعلياً "محو غزة".
إن إسرائيل، بدعم لا يتزحزح من واشنطن، أثبتت أنها تستطيع التصرف كـ "منبوذ دولي" وفي الوقت نفسه "تنتصر" عسكرياً، بفضل الدعم الذي يضرب بعرض الحائط القانون الدولي والرأي العام العالمي. إن القوة الغاشمة الموجهة ضد حركات المقاومة تبدو شبه مستحيلة المواجهة حالياً. لقد وصفت صديقة لي، وهي عالمة كيمياء، تصرفات إسرائيل في المنطقة بأنها "غير طبيعية"؛ فدولة صغيرة تفعل كل هذا بـ "حصانة تدميرية" عابرة للحدود. وهي محقة، فهذا يتناقض مع نواميس الطبيعة. ولكن كما قال كينز: "في المدى الطويل، سنكون جميعاً موتى"، والمدى الطويل هنا قد يكون مؤلماً وطويلاً جداً.
قد تُسحق محاولات نيل العدالة في فلسطين مراراً، ولكن كما قال جون ستيوارت ميل: "الحقيقة، مهما قُمعت، ستكتسب في النهاية زخماً يجعلها غير قابلة للانكسار". إن نهاية هذا الظلم الصارخ آتية لا محالة، تماماً كما انتهت العبودية، لكن هذا لا يعني أنني سأشهد ذلك. إن غايتي الآن هي الاستمرار في الشهادة على العصر، والكتابة، والحديث؛ ليس أملاً في نصر وشيك، بل لأن هذا هو "الفعل الصحيح". إن إدانة أفعال إسرائيل ليست مجرد موقف أخلاقي، بل هي تقييم موضوعي لواقع وثّقته الأرقام وعاشته الملايين مأساةً وتضحية.