"إعادة قراءة في مناظرة نورمان فينكلشتاين وألان ديرشويتز (الجزء الثاني): على خلفية ورود اسم ديرشويتز في وثائق إبستين"
يقدم هذا التحليل تفصيلاً دقيقاً للمناظرة التي جرت بين البروفيسور نورمان فينكلشتاين والقانوني ألان ديرشويتز، مع فصل الحجج المركزية لكل طرف، وصولاً إلى تقييم يُبرز العمق الفكري والواقعي لموقف فينكلشتاين.
2/24/20261 دقيقة قراءة


يقدم هذا التحليل تفصيلاً دقيقاً للمناظرة التي جرت بين البروفيسور نورمان فينكلشتاين والقانوني ألان ديرشويتز، مع فصل الحجج المركزية لكل طرف، وصولاً إلى تقييم يُبرز العمق الفكري والواقعي لموقف فينكلشتاين.
الحجج التفصيلية: البروفيسور نورمان فينكلشتاين
حتمية السلب والتهجير: يستند فينكلشتاين في أطروحته التاريخية إلى أعمال "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين، وعلى رأسهم بيني موريس؛ حيث يجادل بأن المقاومة الفلسطينية لم تكن يوماً نابعة من كراهية غير عقلانية، بل من "خوف عقلاني" من سلب الأرض. ويؤكد أن المشروع الصهيوني حمل منذ نشأته ركيزة "مدمجة" ولا مفر منها تتمثل في "الترانسفير" (التهجير القسري) للسكان الأصليين لخلق أغلبية يهودية.
واقع "معسكر الاعتقال": يرفض فينكلشتاين الادعاء بأن مأساة غزة بدأت مع وصول حماس للسلطة. ويستشهد بإجماع نخب إسرائيلية —بمن فيهم عالم الاجتماع البارز باروخ كيمرلينغ والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي غيورا إيلاند— الذين وصفوا غزة بأنها "أكبر معسكر اعتقال في التاريخ" منذ عام 2003. ويرى أن الشعب الفلسطيني في غزة تُرِك بحلول أكتوبر 2023 لـ "يتعفن ويموت" بلا ماضٍ أو حاضر أو مستقبل.
لا قانونية "العقاب الجماعي": في مواجهة دفاع ديرشويتز عن الحصار من منظور أمني، يستدعي فينكلشتاين تقارير البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وكافة المنظمات الإنسانية الكبرى. ويؤكد أن الحصار هو "جريمة حرب" لأنه يشكل عقاباً جماعياً لسكان مدنيين، حيث تعمدت إسرائيل إبقاء الغزيين على "حافة الانهيار الاقتصادي" عبر منع سلع أساسية مثل صغار الدواجن، والشوكولاتة، ومواد البناء.
الاستيطان كجريمة حرب ممتدة: ينظر إلى المستوطنات في الضفة الغربية ليس كـ "نزاع" بل كانتهاك صارخ للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة المحتلة نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة. ويشير إلى أن محكمة العدل الدولية وصلت إلى إجماع كامل بشأن هذه اللاشرعية في عام 2004.
السياق التاريخي مقابل الموقف الأخلاقي المطلق (مقاربة نات تيرنر): في الجزء الأكثر جدلاً، يقارن فينكلشتاين انفجار السابع من أكتوبر بتمرد العبيد بقيادة نات تيرنر عام 1831 في أمريكا. ويجادل بأنه رغم وقوع "فظائع تفوق الوصف"، فإن مناهضي العبودية حينها لم يدينوا العبيد، بل أشاروا إلى وحشية نظام العبودية كسبب جذري. موقف فينكلشتاين هو: إذا عاملت مليوني إنسان كـ "حيوانات بشرية" لعقدين من الزمن، فإن انفجار العنف هو نتيجة سوسيولوجية حتمية، وإن كانت مأساوية.
الحجج التفصيلية: ألان ديرشويتز
"الرفض العربي" كجذر للصراع: يتمسك ديرشويتز بأن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق القيادة العربية التي رفضت خطط التقسيم في عامي 1937 و1948. ويصف "النكبة" بأنها "جرح فرضه العرب على أنفسهم" نتيجة حرب إبادة فاشلة شنتها الدول العربية لتدمير إسرائيل الوليدة.
التبادل السكاني ووكالة "الأونروا": يدعي وجود "تبادل سكاني" متماثل بين 800 ألف لاجئ يهودي من الدول العربية والفلسطينيين. ويتهم الأونروا والحكومات العربية باحتجاز الفلسطينيين في مخيمات لاجئين "بائسة" لاستخدامهم كأدوات سياسية، في حين استوعبت إسرائيل اللاجئين اليهود في مجتمعها.
التبرير الأمني للحصار: يؤكد ديرشويتز أن الحصار قانوني بنسبة 100% بموجب قوانين الحرب كإجراء لمنع حماس من بناء الأنفاق والحصول على الصواريخ. ويزعم أن حماس هي "السجان" الحقيقي لغزة، حيث تسرق المساعدات المخصصة للمستشفيات لبناء "350 ميلاً من الأنفاق".
رفض المؤسسات الدولية: يصف الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بأنها مؤسسات "غير شرعية" تُنتج "خيالاً علمياً" لا قانوناً. ويدعي أن هذه المحاكم تضم قضاة تعينهم أنظمة معادية (مثل لبنان الخاضع لحزب الله)، وبالتالي فهي منحازة بنيوياً ضد إسرائيل.
الموقف الأخلاقي المطلق من 7 أكتوبر: يصر ديرشويتز على الإدانة الأخلاقية المجردة لهجمات أكتوبر. ويشبه سياق فينكلشتاين التاريخي بتبرير النازية بناءً على معاناة الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، مؤكداً أنه لا يوجد مظلمة تاريخية تبرر الاغتصاب وقطع الرؤوس وقتل المدنيين.
خلاصة النتائج: لماذا تميل الكفة المعرفية لصالح فينكلشتاين؟
رغم حدة التراشق في المناظرة، فإن تحليل السجل الأدلّاتي والاستراتيجيات البلاغية يشير إلى أن نورمان فينكلشتاين قدم مرافعة أكثر تماسكاً واستناداً إلى الإجماع الدولي:
1. علوية القانون مقابل الرفض الانتقائي: اعتمدت حجج فينكلشتاين باستمرار على إجماع القانون الدولي (محكمة العدل الدولية، اتفاقيات جنيف). في المقابل، اضطر ديرشويتز —رغم كونه قانونياً— إلى وصف أرفع الهيئات القضائية في العالم بأنها "غير شرعية" أو "خيال علمي" لأن أحكامها (بشأن الاستيطان والحصار) لا تتماشى مع السياسة الإسرائيلية؛ مما جعل فينكلشتاين يبدو كمدافع عن "سيادة القانون".
2. استخدام المصادر الإسرائيلية: نجح فينكلشتاين في استخدام مصادر إسرائيلية رصينة (موريس، كيمرلينغ، إيلاند، دينشتاين) لإثبات وجهة نظره. وعبر اقتباسه من قادة أمنيين ومؤرخين إسرائيليين لوصف غزة بـ "معسكر الاعتقال"، حيد اتهامات ديرشويتز بأن آراءه مجرد "بروباغندا لحماس".
3. تهافت حجة "التبادل السكاني": قوبلت محاولة ديرشويتز مساواة هجرة اليهود من الدول العربية بالتطهير العرقي للفلسطينيين بتحدٍ أكاديمي من فينكلشتاين حول غياب التكافؤ البحثي. كما أن نقطة فينكلشتاين حول "تقادم الزمن" كشفت ازدواجية المعايير؛ فكيف يُرفض حق الفلسطينيين في أرضهم بدعوى مرور 75 عاماً، بينما يُتمسك بحق توراتي يعود لألفي عام؟
4. الرؤية السوسيولوجية مقابل الخطاب العاطفي: بينما ركز ديرشويتز على البعد الصادم لهجمات أكتوبر لإغلاق باب النقاش، قدمت مقاربة فينكلشتاين لـ "نات تيرنر" فهماً سوسيولوجياً أعمق. فمن خلال نقل التركيز من "الإدانة" إلى "السببية"، أثبت فينكلشتاين أن المسؤولية عن العنف تقع في نهاية المطاف على القوة التي تفرض ظروف "معسكر الاعتقال".
الخلاصة: أظهرت هذه المناظرة أن ديرشويتز يعتمد على سردية "الأمن والرفض" التي تتطلب بشكل متزايد التنكر للقانون الدولي، بينما يستند تحليل فينكلشتاين إلى إجماع قانوني وتاريخي عالمي. لقد نجح فينكلشتاين في إثبات أن فظائع الحاضر لا يمكن فهمها أو حلها دون الاعتراف بمسيرة السلب الممنهج و"الاستشهاد" الجماعي للشعب الفلسطيني على مدار 75 عاماً.