بمنظور البروفيسور نورمان فينكلشتاين: عندما تتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة للإذلال
لطالما عُرف البروفيسور نورمان فينكلشتاين، الباحث البارز والناقد الجسور لسياسات الاحتلال، بقدرته الفريدة على كشف الحقائق القاسية والمغيبة في الصراعات الدولية عبر تحليلاته الثاقبة وشجاعته النادرة. وتأتي رؤيته العميقة للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وتحديداً ما يتعلق بتوزيع المساعدات الإنسانية، لتقدم صورة تفطر القلوب وتثير تساؤلات أخلاقية وفكرية عميقة؛ حيث يعقد فينكلشتاين مقارنة صادمة، مشبهاً أسلوب توزيع الغذاء في غزة بما كان يحدث في معسكرات الاعتقال النازية، متحدثاً عن "تحويل البشر إلى ما يشبه الجرذان المذعورة" التي تتصارع من أجل البقاء. يسلط هذا التحليل الضوء على الأبعاد الخفية لانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية.
8/26/20251 دقيقة قراءة


بمنظور البروفيسور نورمان فينكلشتاين: عندما تتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة للإذلال
لطالما عُرف البروفيسور نورمان فينكلشتاين، الباحث البارز والناقد الجسور لسياسات الاحتلال، بقدرته الفريدة على كشف الحقائق القاسية والمغيبة في الصراعات الدولية عبر تحليلاته الثاقبة وشجاعته النادرة. وتأتي رؤيته العميقة للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وتحديداً ما يتعلق بتوزيع المساعدات الإنسانية، لتقدم صورة تفطر القلوب وتثير تساؤلات أخلاقية وفكرية عميقة؛ حيث يعقد فينكلشتاين مقارنة صادمة، مشبهاً أسلوب توزيع الغذاء في غزة بما كان يحدث في معسكرات الاعتقال النازية، متحدثاً عن "تحويل البشر إلى ما يشبه الجرذان المذعورة" التي تتصارع من أجل البقاء. يسلط هذا التحليل الضوء على الأبعاد الخفية لانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية.
تحليل المشهد: إذلال ممنهج وسحق للكرامة الإنسانية
يؤكد البروفيسور فينكلشتاين، وبحق، أن الطريقة التي تُوزع بها المساعدات في غزة ليست مجرد "تحدٍ لوجستي"، بل هي قضية إنسانية عميقة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان. فعندما يُلقى الطعام على الأرض ليتدافع الناس نحوه، بدلاً من توزيعه باحترام يحفظ كرامتهم، فإن هذا الفعل لا يلبي الاحتياجات الجسدية إلا في حدها الأدنى وبطريقة لا إنسانية، بل إنه يعمل بشكل ممنهج على تآكل الكرامة وتجريد الأفراد من شعورهم بالقيمة. تستحضر هذه الصورة مشاهد السجون والمعسكرات حيث تُستهدف الكرامة عمداً لكسر روح المقاومة. وفي غزة، لا يعد هذا الإذلال فردياً فحسب، بل هو فعل جماعي ومنظم يهدف إلى سحق روح الصمود والأمل لدى مجتمع بأسره، مما يؤدي إلى تفاقم مشاعر العجز واليأس، وهو ما قد يقود بدوره إلى انهيار نفسي واجتماعي شامل.
مقاربة معسكرات الاعتقال: أصداء التاريخ في الحاضر
تمثل المقارنة الصادمة التي عقدها فينكلشتاين بين هذا الوضع ومعسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية نقطة التحول في تحليله. فبفضل معرفته التاريخية الواسعة، يستذكر فينكلشتاين كيف كان الغذاء الشحيح —الذي لم يكن غالباً سوى "ماء يطفو على سطحه قليل من الخضروات"— يُوزع بوحشية، مما يدفع السجناء للاقتتال فيما بينهم من أجل لقمة عيش، ويفقدهم احترامهم لذواتهم في تلك العملية. هذه المقارنة ليست مجرد استعارة أدبية، بل هي تحذير شديد وصدى تاريخي للظلم والبربرية؛ فهي توضح كيف يمكن للحرمان الممنهج من الضروريات الأساسية أن يدفع البشر إلى حافة التوحش، حيث تسيطر غرائز البقاء البدائية على المشاعر الإنسانية، مما يمزق النسيج الاجتماعي والأخلاقي للمجتمع. من خلال هذه المقارنة، يشدد فينكلشتاين على الطبيعة المهينة لهذه الطريقة في توزيع المساعدات، واصفاً إياها بأنها أداة لـ "تحويل البشر إلى كائنات مذعورة"، وهو تحطيم لا يقتصر على الجسد بل يمتد ليشمل الهوية والإرادة الإنسانية.
إطلاق النار على الجوعى: جريمة ضد الإنسانية وانتهاك للحق في الحياة
جانب آخر يثير الألم العميق في تحليل فينكلشتاين هو إشارته إلى "إطلاق النار على الناس وهم يتدافعون للحصول على الطعام". يمثل هذا الفعل ذروة الوحشية وانعدام الرحمة، وانتهاكاً مطلقاً لأقدس حقوق الإنسان: الحق في الحياة. إن قتل أفراد عزّل يكافحون من أجل البقاء وتأمين احتياجاتهم الأساسية ليس مجرد جريمة حرب، بل هو جريمة واضحة ضد الإنسانية لا تقبل التأويل. هذا الفعل لا ينسف الأمن الفردي فحسب، بل ستكون له تداعيات نفسية واجتماعية غائرة في الوجدان الجمعي لأهل غزة، مسبباً جروحاً لا تندمل. ويشير فينكلشتاين إلى أن "الإسرائيليين يشعرون بالخوف فيبدأون بإطلاق النار"، ملمحاً إلى الأبعاد النفسية والأمنية لهذه الفظائع، وكيف يمكن للخوف والاستخفاف بالحياة البشرية أن يؤديا إلى مزيد من العنف وقتل الأبرياء، في تجسيد كارثي لعدم الاكتراث بقيمة الروح البشرية.
تبعات حقوق الإنسان ومسؤولية المجتمع الدولي
من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن ما يصفه فينكلشتاين يشكل انتهاكاً جسيماً لاتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، التي تؤكد على ضرورة حماية المدنيين وضمان احتياجاتهم الأساسية واحترام كرامتهم تحت كل الظروف. إن المنع المتعمد للوصول إلى الغذاء والماء، أو توزيعه بطريقة مهينة وخطرة تؤدي إلى الموت، يرقى إلى مستوى جرائم الحرب التي تستوجب ملاحقة دولية. إن المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، وكافة الحكومات التي ترفع شعار الدفاع عن الحقوق، تقع على عاتقها مسؤولية أخلاقية وقانونية لإجراء تحقيق شامل ونزيه في هذه الأوضاع، وتحديد الجناة وتقديمهم للعدالة. إن الصمت أو اللامبالاة تجاه هذه الفظائع ليس مجرد موافقة ضمنية، بل هو وقود قد يؤدي إلى تكرار هذه الكوارث في مناطق أخرى من العالم.
الخلاصة: نداء للتحرك
تقدم تحليلات البروفيسور نورمان فينكلشتاين انعكاساً كاملاً للمعاناة والإذلال والظلم الممنهج في غزة. وبشجاعته المعهودة ونزاهته الأكاديمية، لا يكتفي فينكلشتاين بتصوير الواقع القاسي، بل يدعو المجتمع الدولي للمساءلة والتحرك الحاسم. إن الوضع في غزة، بعيداً عن كونه صراعاً سياسياً أو عسكرياً، هو كارثة إنسانية شاملة تُنتهك فيها الكرامة والحق في الحياة والأمن بشكل يومي وفظيع. إن الصمت أمام هذه الجرائم لا يمكن تبريره أخلاقياً، بل هو مشاركة سلبية في استمرارها. لقد حان الوقت للعالم أن يصغي للأصوات الحرة كصوت فينكلشتاين، وأن يفتح عينيه على الحقائق، ويتحرك لإنهاء هذه المعاناة اللامتناهية واستعادة العدالة والكرامة الإنسانية لأهل غزة. هذا هو الاختبار الحقيقي لإنسانيتنا وللقيم العالمية التي ندعي التمسك بها.